أرفض طفلي الخامس حتى جعلني الله أراه بنور آخر
لم أكن يومًا أتخيّل أن ينقلب عالمي رأسًا على عقب بسبب طفلٍ واحد، طفلٍ جئتُ في بدايته أرفض حتى وجوده.
كنتُ أعيش حياة يعلوها الضجيج من كل جانب؛ ضجيج العمل، وضجيج الهمّ، وضجيج القلب الذي غادر طريق الإيمان منذ سنواتٍ طويلة. عشر سنوات كاملة ابتعد فيها وجهي عن السجود، وابتعد فيها قلبي عن الطمأنينة كابتعاد الأرض عن المطر.
كنتُ متزوجًا من امرأة طيبة خجولة تُدعى ليلى، امرأة عُرفت بصبرها الهادئ الذي يشبه ضوء شمعٍ لا ينطفئ مهما اشتدّت الرياح. رزقنا الله أربعة أطفال ملأوا البيت حركة، لكنها حركة لم تكن تمنحني سوى مزيدٍ من التوتر، وكأنهم يضيفون على كتفيّ أحمالًا فوق أحمال.
وفي مساءٍ هادئ، جلست ليلى أمامي، قبضت على طرف ثوبها بتردد وقالت بصوت منخفض:
“أنا حامل.”
تجمّدت الكلمات في حلقي. لم أبتسم، لم أهنئها، لم أشعر بشيء سوى ثقلٍ كأن أحدهم وضع فوق صدري حجرًا لا يُزاح.
لم أكن مستعدًا لطفل خامس، ولم أرَ في قدومه سوى فوضى جديدة، ومصاريف جديدة، وقلق جديد.
لم أُظهر اعتراضًا صريحًا، لكن بداخلي… كنتُ أرفضه.
رفضًا كاملًا، واضحًا، قاسيًا.
مرّت أشهر
وُلد الطفل… سمّيناه سامي.
كان صغيرًا للغاية، نحيلًا كعصفور خرج مبكرًا من عشه.
نظرتُ إليه يومها، ولم أشعر بشيء…
لا حب، لا خوف، لا ارتباط.
كأنه مجرد مخلوق إضافي أُلقي على كتفيّ بغير إذني.
لكن الأيام التالية حملت ما لم أكن أتوقعه.
بدأ سامي يمرض منذ يومه الأول، كان يبكي بشكل متواصل، صوته ضعيف، نفسه متقطع، ووجهه شاحب كأن الحياة تهرب من ملامحه لحظة بعد لحظة. حملناه إلى المستشفى، وبعد فحوصٍ استمرت ساعات طويلة، دخل الطبيب إلى الغرفة بوجهٍ يحمل الخبر الذي يشبه الصاعقة.
قال لنا بصوتٍ خافت لكنه حاسم:
“كِلتا الكُليتين لا تعملان… إطلاقًا.”
شعرتُ وكأن الأرض تميد بي.
حتى ليلى، بقلبها الصبور، وضعت يدها على فمها وانفجرت بالبكاء.
لكن الطبيب تابع كلامه بجفافٍ طبي معتاد:
“لا أمل في العلاج… نفضل أن تأخذوه إلى المنزل ليقضي أيامه الأخيرة بين أهله.”
بهذه البساطة… بهذه القسوة… قالها.
وكأن حياة طفلي مجرد ورقة تُسحب من ملف وتُعاد مكانها.
في تلك اللحظة، سقط شيء داخلي… سقط بشكل مدوٍّ جعلني أرى نفسي على حقيقتها لأول مرة. رأيتُ كم كنت قاسيًا، غافلًا، بعيدًا، لا أستحق حتى دمعة واحدة كانت تسيل من عيني ليلى.
عدنا إلى المنزل، وسامي بين يديّ كجسدٍ بلا حيلة.
لا يأكل… لا يشرب… لا ينام إلا على أنينٍ خافت يشقّ القلب شقًا.
وللمرة الأولى منذ عشر سنوات… رفعتُ يدي إلى السماء.
كنتُ مترددًا، خائفًا، خجلًا من نفسي… لكنني دعوت.
دعوت بحرقةٍ لم أذق مثلها في حياتي.
وفي يومٍ كنتُ فيه أشبه برجلٍ تائه، دخلتُ إحدى المكتبات الصغيرة القريبة من المستشفى.
لا أعرف لماذا دخلت، ربما هربًا من واقعي، وربما كان شيئًا آخر يدفعني دون وعي.
وقعت عيناي على كتابٍ لشيخٍ صالح عُرف بالحكمة وكثرة الدعاء.
لم أفكر… اشتريته.
عدتُ إلى البيت، فتحت الكتاب، وبدأت أقرأ صفحةً بعد صفحة.
شيئًا فشيئًا، كانت الحروف تنفض الغبار عن قلبي، وكان شيءٌ دافئ يعود إلى صدري بعد غيابٍ طويل.
كنتُ أقرأ، ويداي ترتجفان، وكأن الكلمات تُعيد ترتيب روحي من جديد.
ازدادت حالة سامي سوءًا.
ومع مرور أسبوعين، بدا واضحًا أن النهاية قريبة.
عدنا
“لن يبقى حيًا حتى الفجر.”
سمعتُ العبارة كمن يسمع حكمًا نهائيًا بالإعدام يصدر على قطعة من روحه.
سقطتُ على ركبتيّ، ورفعتُ يديّ، وبكيتُ حتى شعرت أن صدري يتمزق.
قلتُ في دعاءٍ خرج من أعماق العجز:
“يا رب… إن أنقذتَ سامي، عاهدتُك ألا أبتعد عنك ما حييت.”
وضعتُ بجانب رأسه صورة الشيخ الصالح التي كانت داخل الكتاب… لا لاعتقادي أنها تملك قوة، بل لأني أردت شيئًا طاهرًا يرافقه في تلك اللحظة.
لكنّ المعجزة الأولى بدأت تلك الليلة…
لم يمت.
ولم يتوقف نفسه كما قال الطبيب.
بقي…
وكأنه يتمسك بشيء لا نراه.
مرّت أيام قصيرة، وأنا لا أكفّ عن الدعاء.
وفي ليلةٍ مظلمة، استيقظت فجأة، وشعرت بوجودٍ غريب يمر في الغرفة.
امتلأ المكان برائحة الورد…
رائحة قوية، نقية، مستحيلة أن تأتي بلا سبب.
جلست مذعورًا، لكن بداخلي شعور عميق بالسكينة… وكأن الرحمة مرّت من هنا.
وفي صباح اليوم التالي، دخل الطبيب إلى الغرفة، يحدّق في الأجهزة بذهول.
ثم التفت نحونا وقال بارتباك:
“هناك تحسّن غير مفهوم… الكُليتان بدأتا بالعمل تدريجيًا!”
لم
شعرتُ وكأن قلبي يسقط ويعود للحياة في اللحظة