الأرمل الثري الذي راقب حبيبته سرًا… فاكتشف ما غيّر حياته إلى الأبد
الجزء الأول
كان القصر في تلك الساعة غارقا في صمت يشبه الصلوات المنسية صمت يزحف في الممرات الطويلة كما لو أنه كائن حي يعرف طريقه بين الرخام البارد واللوحات التي تراصت على الجدران كحراس من زمن آخر كانت أشعة الغروب تتسلل من النوافذ العالية فتنساب على الأرض في خطوط ذهبية رقيقة تمنح المكان جمالا خادعا لا يشبه أبدا الثقل الجاثم فوق صدر دييغو الثقل الذي أصبح رفيق حياته منذ ثلاث سنوات
وقف الرجل عند باب نصف مفتوح في الممر الرئيسي مختبئا خلف ظلاله وقلبه يخفق بقسوة كأنه يريد أن يقفز من بين ضلوعه ليمنعه من رؤية ما يخشاه كان يعلم في قرارة نفسه أن اللحظة التي يقترب منها الآن ليست لحظة عادية بل منعطفا قد يغير مصير أسرته إلى الأبد فمنذ وفاة زوجته وهو يعيش على حدود عالمين عالم يملؤه الحزن الثقيل الذي يوقظه كل ليلة وعالم آخر يفرض عليه مسؤولية الأبوة تجاه أطفاله الثلاثة الذين أصبحوا السبب الوحيد لبقائه واقفا رغم الانكسارات الخفية التي تنهك قلبه
لوكا صوفي ماتيو
ثلاثة وجوه صغيرة أنقذته من الغرق لكنها في الوقت نفسه جعلته أكثر ضعفا أمام الخوف من فقدانهم أو إيذائهم ورغم أن فاليريا المرأة التي دخلت حياته قبل أشهر بدت للجميع مثالية إلى
ولهذا السبب تحديدا اتخذ قراره الصعب
اليوم سيعرف الحقيقة
تظاهر أنه يغادر المنزل في اجتماع طارئ خرج من الباب الأمامي بخطوات هادئة ثم عاد متسللا من مدخل الخدمة ووقف في الممر ينتظر كأنه لص في بيته لم يفعل ذلك بدافع الشك وحده بل بدافع خوف لم يستطع تفسيره كان بحاجة أن يرى بوضوح ما إذا كانت فاليريا هي المرأة المناسبة لأطفاله أم أن كل ما يلمع حولها ليس ذهبا
لم يطل انتظاره كثيرا
سمع وقع كعبي حذائها يقتربان في إيقاع حاد إيقاع كان يراه يوما جاذبا لكنه بدا له الآن كإعلان خطر وما إن وصلت إلى غرفة المعيشة حتى حدث ما لم يكن يتوقعه بهذه السرعة
ظنت أنها وحدها
اختفت ابتسامتها المصنوعة كما يختفي الضوء عند انطفاء مصباح
وتحول وجهها إلى لوحة أخرى تماما ملامح حادة نظرة قاسية وتعبير لا يعرف الرقة
قالت بنبرة جافة لا تشبه أي نبرة سمعها منها من قبل
أطفال اجلسوا ولا تلمسوا شيئا لا أريد أي فوضى
كانت كلمات تشبه صفعة
تحرك الأطفال الثلاثة بسرعة تحمل في طياتها خوفا صامتا
صوفي
ماتيو خفض نظره وبدأ يعبث بأصابعه في توتر يدوي بلا صوت
أما لوكا الأكثر شجاعة بينهم فقد حاول التظاهر بالثبات لكن رجفة أنفاسه لم تخف عن عين أبيه
في تلك اللحظة شعر دييغو بشيء ينقبض داخل صدره شيء يشبه خيطا يلتف حول عنقه ببطء لم يكن ما يراه مجرد قسوة عابرة بل حقيقة تسدل ستارها أمامه بلا رحمة ورغم أنه حاول إقناع نفسه بأن ما يحدث ربما يكون مجرد سوء يوم إرهاق أو توتر لحظي إلا أن حدسه ذلك الصوت الداخلي العميق همس له بثبات
ما تراه الآن حقيقتها
فتح عينيه ونظر مجددا عبر الفجوة الضيقة بين الباب وإطاره رأى أطفاله كما لم يرهم من قبل
خوف مبالغ فيه توتر غير مبرر سكون لم يعتد عليه في وجوه اعتادت الضحك
وفي المقابل كانت فاليريا تتحرك وكأنها تملك الغرفة كل خطوة تقوم بها فوق الرخام تحمل معنى السيطرة لا الحنان توقفت أمام الطاولة نظرت لدمية صوفي ثم أعادتها لمكانها بحركة باردة لا تشبه لمسة إنسانة تعرف قيمة طفولة الآخرين
وفي تلك الحركة البسيطة أدرك دييغو شيئا بالغ الخطورة
فالإنسان لا يلمس دمية طفل بتلك الطريقة إلا إذا كان خاليا من أي إحساس ببراءة الأطفال
بقي
ولم ينتظر طويلا
قالت فاليريا بصوت بارد لا يعرف الحنان
قلت اجلسوا ولا أريد حديثا ولا حركة مفهوم
ارتجف الأطفال الثلاثة في اللحظة نفسها
ارتجافة صغيرة لكنها كانت كفيلة بأن تخترق قلبه اختراق السهم
ابتلع غصته الحارقة
لكنه بقي في مكانه يريد أن يعرف يريد أن يكشف ما تخفيه
ثم جاءت اللحظة التي لم يتوقعها
رن هاتف فاليريا
أجابت وهي تبتعد خطوات قليلة ليست كافية لتخرج من نطاق سمعه
وفجأة تغير صوتها بالكامل
قالت بخفوت غريب
نعم كل شيء تحت السيطرة لا لا يعلم شيئا يثق بي كثيرا وهذا يكفيني
تجمدت أنفاس دييغو
لم يعد الأمر يتعلق بالأطفال فقط
بل بالصدق بالثقة وبالنوايا الحقيقية لامرأة سمح لها بالاقتراب من عالمه
وعندما أنهت المكالمة أدرك أن اللحظة التي تهرب منها طوال الشهور الماضية قد وصلت
خرج من مخبئه بخطوات ثابتة كمن يعلن حكما نهائيا لا عودة عنه
الجزء الثاني
خرج دييغو من خلف الباب نصف