سقطتُ فوق زوجي ليلة زفافنا

لمحة نيوز

سقطتُ فوق زوجي ليلة زفافنا… فظهرت الحقيقة التي غيّرت حياتي
لم تكن زوجة أبي ترى العالم كما نراه نحن؛ كانت تتعامل مع الحياة كأنها دفتر محاسبة كبير، تُسجَّل فيه الأقدار بالأرقام لا بالمشاعر، وتُقاس فيه قيمة الإنسان بما يملك لا بما يحمله قلبه. كانت نظرتها للأشياء حادّة، ثابتة، لا تعرف الرمادي. الحب بالنسبة لها حكاية لا فائدة منها، والرحمة رفاهية لا تليق بمن يريد النجاة في عالم لا يرحم. وكانت عبارتها التي لا تنفك تكررها ترنّ في رأسي كلما نظرت إليّ:
"الرجل الفقير يعني حياة ضيقة… والحب لا يصنع خبزاً. وحده المال يبقيك واقفة، وإن لم يمنحك السعادة، فعلى الأقل لا يسرق منك كرامتك."
كنت أتخيلها تبالغ، أو تردد تجارب مريرة عاشتها قبل أن يعرفها أبي، ولم يخطر ببالي يوماً أن يأتي يوم تُطبّق فيه كلماتها بالحرف الواحد… على حياتي أنا.
فحين رحل أبي، رحل كأنه ينتزع الأرض من تحت أقدامي. ترك وراءه ديوناً كأنها جبال تُسقط البيت فوق رؤوسنا. لم تمضِ أيام قليلة حتى بدأت زوجته التي كنت أناديها “أمي” منذ طفولتي تدور بين الأوراق، تبحث عن حلّ يعيد التوازن لحياتها. ولم يكن الحل في رأيها سوى زواج يُنقذ البيت ولو أطفأ ما تبقى في داخلي من نور.
في إحدى الليالي وقفت أمامي بثبات لا يشبه ثبات الأمهات، وقالت بنبرة تقطع الهواء:
"هناك رجل ثري… اسمه هوي. أصيب قبل سنوات في حادث جعله عاجزاً عن المشي. يريد زوجة… ونحن نحتاج بيتاً. اقبلي الزواج، فننجو جميعاً. ارفضي…

ونتشرد."
قالت “نتشرد” وكأنها لم تكن تتحدث عن حياتي بل عن رقم ناقص في معادلتها الاقتصادية.
شعرت وقتها أن الأرض تدور بي، لكنني لم أكن أملك ترف الرفض. كنت وحيدة، والخوف أكبر مني. عضضت شفتي حتى شعرت بطعم الدم، ثم هززت رأسي بالموافقة، وكأنني أوقّع عقداً على حياة لم أختر تفاصيلها.
جاء يوم الزفاف كأنه صفحة فارغة لا لون لها. ارتديت ثوباً أبيض بدا وكأنه قشرة لامعة تخفي داخلي هشاشة لا يراها أحد. حاولت أن أبتسم، لكن قلبي كان يرتجف كطائر صغير في يد صياد. وعندما دخلت القاعة رأيته للمرة الأولى: هوي، الرجل الذي سيصبح زوجي، جالساً في كرسيه المتحرك بثبات غريب ووجه لا يكشف مشاعره.
لم يمد يده لي، لم يبتسم، لم يقل كلمة واحدة. كان ينظر أمامه بجمود شديد، وكأن الأمر لا يعنيه. شعرت كأنني أتزوج ظلاً لا إنساناً، روحاً لا تعرفني ولن تعرفني.
وحين حلّ الليل، وجدت نفسي أمام باب غرفة النوم. دفعتُ الباب بخطوات خائفة تدخل عالماً أجهله. كان يجلس تحت ضوء مصباح أصفر خافت، ملامحه حادة، لكنها محاطة بشيء يشبه الوحدة… الواحد القادر على ابتلاع قلب إنسان كامل.
قلت بصوت متردد:
"هل… هل أساعدك على الوصول إلى السرير؟"
رفع رأسه ونظر إليّ نظرة لا تحمل قرباً ولا بعداً، ثم قال ببرود:
"لا حاجة. أستطيع وحدي."
تراجعت خطوة، لكن قدمي لم تستقرّا جيداً. وفجأة رأيته يفقد توازنه. اهتز الكرسي تحت وزنه، وكاد يسقط. دون تفكير اندفعت نحوه لأدعمه. لكن الأرض كانت زلقة من أثر الملمع.
اختلت قدماي، وفي لحظة قصيرة كأنها شرارة، وجدنا أنفسنا نسقط معاً على الأرض بصوت ارتطام مدوٍّ.
سقطت فوقه مباشرة. شعرت بدقات قلبي تتشابك مع أنفاسي. مددت يدي لأسانده… لكن أصابعي لامست ساقيه.
كانت… دافئة.
كانت قوية.
كانت تتحرك.
لم تكن ساقَي رجل مشلول.
تسمرت مكاني، وانحبس صوتي في حلقي قبل أن يخرج مرتجفاً:
"أأنت… تستطيع المشي؟"
نظر إليّ نظرة عميقة لا يمكن قراءتها، ثم قال بصوت منخفض:
"الآن… عرفتِ الحقيقة."
تراجعت بعيداً عنه وأنا أشعر أن الأرض تميد تحت قدمي.
صرخت همساً:
"لماذا… تتظاهر بالعجز؟"
ابتسم ابتسامة مريرة تشبه اعترافاً متأخراً:
"لأنني أردت أن أعرف… من يبقى لأجلي، لا لثروتي. ثلاث نساء قبلك هربن عندما رأين الكرسي. كلهن قلن كلاماً جميلاً… ولم تبقَ واحدة."
ثم أضاف بنبرة كسرت شيئاً في داخلي:
"أمك جاءت إليّ بنفسها. قالت إنها مستعدة لبيع ابنتها مقابل الحفاظ على المنزل. وافقت فقط لأرى… هل ستكونين مختلفة؟"
شعرت كأن صفعة نزلت على وجهي. لم أعرف هل أغضب، أم أبكي، أم أصرخ لأنني كنت الصفقة التي باعوها… والامتحان الذي وضع نفسه فيه.
في تلك الليلة لم نتحدث. جلس هو في صمته، وجلست أنا في صمتي، وبيننا مسافة مليئة بأسئلة لا يعرف أحد منا كيف يبدأ في طرحها.
وعندما طلع الصباح، طلب من الخادمة أن تدفعه بالكرسي خارج الغرفة وكأنه يريد أن يعيد الجدار بيننا كما كان.
ناديت عليه بصوت خافت:
"إن كنت تنتقم من أمي… فقد حصلت على ما تريد. لكن رجاءً… لا
تكرهني. أنا لم أختر هذا."
توقف لحظة عند الباب… ثم رحل دون كلمة.
ومن هنا… بدأت الأيام التي تغيّر كل شيء.
أيام ثقيلة، بطيئة، كأن الزمن فيها يختبر صبري وقلبي معاً…
مرّت الأيام التالية بثقلٍ يشبه ثقل الغيوم قبل العاصفة. كان القصر فسيحاً، واسعاً، لكنه بدا لي كعلبة زجاجية مُحكمة الإغلاق، لا يدخلها صوت ولا دفء. صمت هوي كان يملأ الممرات أكثر مما تملؤه خطوات الخدم. كان يعمل طويلاً، ويغيب طويلاً، ويغلق أبوابه خلفه كمن يحتمي من شيء لا يراه سواه.
والأغرب أنّه ظلّ يتصنّع العجز أمام الجميع؛ أمام الخدم، أمام الزوار، أمام أفراد عائلته غير القريبة. لم يقل كلمة واحدة تشرح ما حدث بيننا تلك الليلة، وكأن الحقيقة التي اكتشفتها يجب أن تُدفن في صمت أيضاً.
لكن الصمت لم يكن هو الحقيقة الوحيدة التي لاحظتها.
ذات مساء، وبينما كنت أمرّ قرب مكتبه، سمعت صوته ينساب من الباب الموارب. لم يكن غاضباً، بل كان متوتراً، قلقاً، كمن يختبئ خلف جدران الكلمات.
قال بصوت خافت للطبيب عبر الهاتف:
"أرجوك… لا تخبر أحداً بحالتي. إن علمت عائلتي أنني تعافيت، سيجبرونني على التنازل عن كل شيء. لن يتركوا لي فرصة."
توقفت مكاني، كأن أحداً جمد خطواتي.
لم يكن يخدعني أنا فقط… بل كان يحمي نفسه من ذئاب تتحين لحظة ضعفه لتلتهم ما بقي له من حياة.
تذكرت حينها تاريخ عائلته.
وفاة والده المبكرة، وتركه ثروة طائلة ورثها هوي وهو ما يزال شاباً. ثم دخول زوجة أبيه إلى حياته كظلّ ثقيل، ومعها
ابنها الذي ظلّ طوال عمره ينظر إلى هوي بعين واحدة:

تم نسخ الرابط