ابني مايك الذي يعيش في شيكاغو

لمحة نيوز

ابني مايك، الذي يعيش في شيكاغو، يعتقد أنني سأقضي عيد الشكر مع ابنتي سارة.

وابنتي سارة، الممرضة في قسم الطوارئ هنا في البلدة، تظن أنني سأسافر إلى مايك.

الحقيقة؟

إنها الساعة الواحدة ظهرًا في يوم عيد الشكر. عمري 79 عامًا، أعيش في بيت هادئ خارج بيتسبرغ. وقد رتّبتُ الطاولة لشخصٍ واحد فقط.

اسمي فرانك. قضيت خمسة وأربعين عامًا أعمل في صبّ الحديد في المصنع. شهدت إضرابات شقّت هذه البلدة نصفين، ورأيت رؤساء يأتون ويذهبون، ورأيت أبنائي يكبرون ويغادرون. زوجتي ماريا رحلت قبل ست سنوات. ستة أعياد شكر طويلة.

عندما كانت على قيد الحياة، كان هذا اليوم يبدأ عند السادسة صباحًا. تمتلئ رائحة الديك الرومي وحشوتها بالمرمية أرجاء البيت بحلول التاسعة. عرض مايسي لعيد الشكر يصدح في التلفاز. ومهمتي كانت هرس البطاطس، وكنت أُحدث فوضى دائمة، فتضربني بمنشفة المطبخ مازحة. كان البيت ممتلئًا… حيًّا.

أما هذا العام، فالهدوء شديد لدرجة أنني أسمع أنابيب المياه تتنفس.

جاءت المكالمات الأسبوع الماضي.

مايك كان أول المتصلين.
“بابا، الوضع فوضى في مطار أوهير. يتوقعون عاصفة ثلجية، وجيني ما زال عندها السعال. ما نقدر نخاطر بالطيران. أنت رايح عند سارة، صح؟ رح تقضي وقتًا رائعًا.”

نظرتُ إلى صورة عائلته على الرف.
“أكيد يا ابني. لا تشيل هم. خلي الأولاد دافئين. سأكون بخير عند أختك.”

ثم اتصلت سارة، صوتها مُتعَب أصلًا.
“بابا، خفّضوا عدد الطاقم في العيد. رح يكون قسم الطوارئ ساحة حرب. لازم

آخذ وردية مضاعفة. آسفة جدًا. بس… أنت رايح لمايك، صح؟ الحمد لله. سلّم لي على الأولاد.”

نظرتُ إلى ممر سيارتي الفارغ.
“طبعًا يا حبيبتي. روحي ساعدي الناس. أنا فخور فيك. وأنا بخير عند أخوك.”

لم تكن الأكاذيب تبدو أكاذيب. كانت… أسهل.
أسهل من قول الحقيقة: أرجوكم… لا تتركوني وحيدًا. أنا لا أريد أن أكون وحيدًا.

تقضي حياتك كلها وأنت صخرتهم، الرجل الذي يصلح الدراجة ويوازن دفتر الشيكات. ثم تنسى كيف تقول لهم إنك تتداعى.

في صباح عيد الشكر، استيقظت قبل شروق الشمس. عادة قديمة. أعددت قهوتي وجلست في المطبخ. الصمت كان يصمّ الآذان. حتى كلبي العجوز “بَدي” نام في زاويته كأنه يعرف أن هذا اليوم بلا قيمة.

قلت له: “لازم نعمل شي.”

تذكرت طبق الديك الرومي الخزفي القديم. ذاك الذي كانت ماريا تستخدمه فقط في هذا اليوم. كان على الرف الأعلى في المخزن. أحضرت السلم الخشبي القديم… ذا الساق المكسورة الذي كنت أقول سأصلحه منذ عشر سنوات.

صعدت أعلى درجة. أعرف… لست ذكياً. عمري 79، لست 29.

كنت أصل إليه، أطراف أصابعي تلمس الخزف البارد، عندما لم يهتزّ السلم فقط… بل انكسر.

سقطتُ للخلف.

الوقت تباطأ. رأسي تفادى طرف الرخامة بسنتمتر واحد. ارتطمت ظهري بالأرض بقوة. انقطع الهواء من صدري تمامًا. لم أستطع الحركة.

أول فكرة لم تكن عن الألم، بل:
هكذا سيجدونك. بعد يوم… ربما اثنين. عندما لا تُجيب على الهاتف.

ركض بدي نحوي، يئن ويلعق وجهي بجنون. ذعره كان صدمة كهربائية أعادتني للحياة.
“طيب يا

ولد… لسا ما خلصت.” تمتمت بصعوبة.

استغرق الأمر عشر دقائق لأصل إلى ركبتيّ. كان الورك يصرخ ألماً. وكانت يداي ترتجفان لدرجة أنني لم أستطع الإمساك بالسطح. عندما وقفت أخيرًا… لم أكن مجرد رجل مسن. كنت رجلًا مسنًا وحيدًا… تمامًا.

تخطّيت فكرة الديك الرومي. نظّفت قطع الطبق المكسور ورميتها. صنعت لنفسي ساندويتش هام على خبز أبيض.

عند الثالثة مساءً، رن الهاتف. مكالمة فيديو. مايك.

ظهر وجهه مبتسمًا، وأصوات الأولاد بالخلفية.
“ها بابا! كيف حالك عند سارة؟ الأكل زاكي؟ خليني أشوفها!”

لم أخطط لهذا. كانت كاميرتي تواجه مطبخي الفارغ. طبقي الوحيد. ساندويتش الهام.

“هي… بالمطبخ، يا ابني.”

“نادِ عليها!” ضحك.

ظهرت زوجته، كارِن، خلفه.
“فرانك! ورّينا السفرة! سارة عملت طاجن الفاصوليا الأخضر؟”

رأيتهم يرون الحقيقة.
ظلام المطبخ.
الطاولة الفارغة.
طبق واحد.

اختفى ابتسامة مايك… سقطت تمامًا.

“بابا… وين سارة؟”
“بالمستشفى يا ابني. عندها وردية مضاعفة.”
“طيب… وإنت؟”
“أنا بالبيت يا ابني. عادي. أنا بس…”
“إنت… وحيد؟”

شحَب وجهه. سمِعته يصرخ لزوجته:
“باباه لوحده! طول اليوم! وكذب علينا!”

قبل أن أقول “لا تهتم”… انقطعت المكالمة.

جلست في الصمت، أشعر بالخجل… كأنهم أمسكوا بي متلبسًا. شغّلت التلفاز. مباراة كرة قدم. المذيع يصرخ. لم أهتم.

بعد ساعتين. أصبح الجو مظلمًا. بدأ بدي بالنباح بجنون.

أضواء سيارة اخترقت نافذتي.

ثم باب سيارة يُغلق. ثم آخر.

وقفت بصعوبة، الورك يؤلمني، وذهبت

للباب الأمامي.

كانت سيارة سارة الصغيرة… وسيارة مايك المستأجرة.

اندفعوا من الخارج. سارة بزي المستشفى الأزرق، شعرها مبعثر، عيناها محمرّتان. مايك وكارين بملابس البيت. الأطفال يجرّون البطانيات والوسادات.

فتحت الباب، وهواء نوفمبر البارد ضرب وجهي.

لم تقل سارة شيئًا. دخلت مباشرة، أسقطت حقيبتها، وضمتني بشدة حتى ظننت ضلوعي ستتكسر. دفنت وجهها في قميصي الفانيلا القديم.
“آسفة يا بابا. آسفة جدًا.”

جاء مايك خلفها، يحمل صينية ألومنيوم.
“نحن أغبياء.” قال بصوت متهدّج. “أغبياء… بس إحنا هون.”

أحفادي احتضنوا ساقيّ وهم نصف نيام.

جلسنا جميعًا حول طاولة المطبخ القديمة. جلبنا كراسٍ إضافية. صينية مايك كانت حشوة دافئة بالكاد. كارِن أحضرت فطيرة قرع نصف مأكولة. سارة اشترت دلو دجاج وهي في الطريق.

أكلنا دجاجًا باردًا وحشوة دافئة على صحون ورقية. نام أحفادي على الكنبة. وتحدثنا. تحدثنا حقًا.

وكان… أفضل عيد شكر في حياتي.

وهذا ما تعلمته الليلة الماضية. وما أتمنى أن يشعر به كل ابن وبنت:

نحن، آباؤكم، من جيل لا يعرف كيف يطلب المساعدة.
سنقول “أنا بخير” و”لا تشيل هم” حتى آخر نفس.
سنأكل ساندويتش هام وحدنا بدل أن نجعلكم تشعرون بالذنب.

وظيفتكم أن تعرفوا أننا نكذب.

وظيفتكم أن تسألوا مرة أخرى.
وظيفتكم أن تتواصلوا مع بعضكم.

إن بدا الأب أو الأم “بخير” أكثر من اللازم… اكشفوا bluff.

عودوا. حتى لو متأخرين.
أحضروا بقايا الطعام.
أحضروا دلو دجاج.
لا يهم.

لأن هذه البيوت تصبح

صامتة.
وهذه العظام تضعف.
ويومًا ما… ستعطون أي شيء في الدنيا لتكسروا هذا الصمت، لتجلسوا معهم على تلك الطاولة مرة أخرى… ولن تستطيعوا.

لا تنتظروا

تم نسخ الرابط