لقد أرسلتُ اتصال والدي إلى البريد الصوتي
لقد أرسلتُ اتصال والدي إلى البريد الصوتي لأنني كنتُ “مشغولًا جدًا” في اجتماع… اجتماع لم يكن مهمًا أصلًا. لم أكن أعلم أنه كان يتصل ليخبرني أن أعزّ أصدقائي كان ينتظر إذني ليترك الحياة.
نحن نكذب على أنفسنا بشأن الوقت. هذه هي الخدعة الكبرى في مرحلة البلوغ. نقنع أنفسنا بأن الأشخاص والأماكن التي نحبها متوقفةٌ في مكانها، في حالة تجمّد، تنتظر أن نتكرّم عليها بحضورنا عندما تتسع لنا روزنامة الأيام.
على مدى السنوات الخمس الماضية، كانت حياتي في شيكاغو ضبابًا من رحلات أوبر، وتقارير ربع سنوية، وعلب طعام جاهز. والداي، اللذان يعيشان في ضاحية هادئة في بنسلفانيا حيث نشأتُ، تمّ دفعهما إلى هامش حياتي. أصبحا مجرد إشعارات أسحبها لأعلى.
“اتصل بنا عندما تستطيع يا حبيبي”، كانت أمي تقول في بريدها الصوتي.
“كنت حابب أعرف إذا تابعت المباراة”، كان أبي يترك في رسالة أخرى.
كنت عادةً أتصل صباح الأحد أثناء ترتيب الغسيل، أستمع بنصف انتباه… وأعامل المكالمات كقائمة مهام: ✔ اتصال الوالدين… تم. نقاط الابن البار… حصلت.
ثم جاء يوم الثلاثاء الماضي. الساعة 2:00 ظهرًا. اتصال من الخط الأرضي. ضغطتُ “رفض” بعادة متقنة. كنت في اجتماع استراتيجي. “أشياء مهمة.” أو هكذا خدعت نفسي.
بعد ثلاثين دقيقة، ظهر إشعار بريد صوتي. لم تكن أمي. كان أبي. صوته، الذي كان يومًا جهوريًا يسيطر على ملعب البيسبول، كان صغيرًا… هشًا.
“مارك… اسمع. أعرف إنك مشغول فوق هناك. بس… رَسْتي. الدكتور البيطري كان هنا. وضعه مش كويس يا بني. هو… هو بيحاول
خرج الهواء من الغرفة.
رَسْتي.
كلبي الذهبي. عمره خمس عشرة سنة — ما يعادل قرنًا في عمر الكلاب. حصلتُ عليه في سن العشرين، قبل سنتي الجامعية الثالثة. كان هو الكلب الذي شهد أول قلبي المكسور، والذي جلس بجانبي وأنا أقود سيارتي القديمة نحو أول شقة لي… والذي “تبنّاه” والداي عندما صار العيش في المدينة خانقًا عليه.
نهضت وغادرت الاجتماع. تركت الحاسوب مفتوحًا. “لازم أمشي.” لم أطلب إذن أحد.
استغرقت الرحلة أربع ساعات. كانت رحلة عبر آلة للذكريات. كلما ابتعدت ناطحات السحاب وحلّت محلها التلال والطرق بين الأشجار، كانت الذكريات تضربني كلكمات.
تذكرت الأيام “الجميلة”. أيام ما قبل الهواتف الذكية. أمسيات الصيف التي لا تنتهي. رائحة العشب المشذّب والهواء الرطب. تذكرتُ نفسي طفلًا في العاشرة (رغم أن رَسْتي جاء لاحقًا، لكن الشعور نفسه).
عندما توقفت في الممر المرصوف بالحصى، كانت الشمس تغرب، تلقي ظلالًا ذهبية طويلة. بدا المنزل كما هو… لكنه منهك قليلًا. الطلاء يتقشر. شجرة البلوط متضخّمة. كل شيء بدا أكبر عمرًا.
أمي فتحت الباب. كانت تبدو أكبر مما تظهر على مكالمات الفيديو. تشمّ رائحة اللافندر والدقيق.
“هو في غرفة المعيشة”، همست.
دخلت. التلفاز على صوت خافت… برنامج من تلك التي يحبها أبي. وهناك، على فراشه الطبي، كان رَسْتي.
لم يشبه الصورة التي أحملها له في ذهني. وجهه أبيض بالكامل تقريبًا، كقناع شبح. فروه نحيل. مستلقٍ على جانبه، أنفاسه بطيئة ومؤلمة.
لكن بمجرد أن وضعت قدمي
حاول رفع رأسه. لم يستطع. لكن ذيله… ذلك الذيل الذي كان يطيح بالأكواب من شدة سعادته… أعطى خفقة ضعيفة. خفقة حب.
سقطت على ركبتي. لم أهتم ببذلتي أو بالأرض. دفنت وجهي في عنقه، أستنشق ذلك العطر الترابي الذي تفوح به الكلاب — الرائحة التي لا ينافسها عطر.
“هاي يا صديقي… أنا هنا… رجعت.”
أطلق زفرة طويلة، زفرة راحة. لعق يدي بلسانه الخشن. مررت يدي على أذنيه، أهمس بالكلام الأبله الذي لا يسمعه إلا هو. أخبرته أنه كان ولدًا جيدًا. أفضل ولد.
أبي وقف عند الباب، يلمّع نظارته بقميصه.
“ما أكلش من يومين”، قال بصوت مكسور. “بس كل مرة عربية تعدّي، يحاول يقوم. يركز على الباب. أمك تقول له ‘لسه بدري يا رَسْتي… لسه بدري.’”
الذنب نزل فوقي كصخرة. أدركت وقتها أن رَسْتي لم يكن مجرد كلب لهما. كان رابطًا بيني وبينهما. كان بديلًا لغيابي. كلما ربّتوا عليه، كأنهم يلمسون جزءًا مني.
جلست بجانبه ثلاث ساعات. أمسكت كفه. شاهدنا الشمس تختفي. ثم، حين عمّ الهدوء، أخذ نفسًا طويلًا… وأخرجه… ولم يأخذ آخر غيره.
انتظرني.
هو فعلًا انتظر.
دفناه صباح اليوم التالي تحت شجرة القيقب حيث كان يطارد السناجب. كانت جنازة بسيطة. فقط أنا وأمي وأبي.
جلسنا بعدها في الشرفة الخلفية نشرب القهوة. بدا الفناء فارغًا بشكل مؤلم.
“آسف إني ما كنت أزوركم”، قلت وأنا أحدق في التراب الطري. “كنت… مشغول.”
أبي أخذ رشفة، نظر إليّ، عيناه محمرتان.
“عارفين يا مارك. إحنا فخورين بيك. وعارفين
توقف قليلًا… ثم نظر لمكان كان رَسْتي يستلقي فيه.
“بس تعرف… رَسْتي ما كانش الوحيد اللي مستني عربيتك تدخل الممر.”
نظرت لأمي. كانت تنظر إلى يديها.
حينها فهمت. المكالمات العشوائية. الرسائل القصيرة. الأسئلة عن الطقس. وعن إطارات السيارة.
لم يكونوا يتفقدونني…
بل كانوا يتفقدون وجودي في حياتهم.
أدركوا أن الوقت ليس بلا نهاية.
قضيت الأسبوع كله معهم. لم أفتح الحاسوب. أصلحت الدرجة المكسورة. رتبت مخزن أمي. لم نفعل شيئًا كبيرًا… فقط “عشنا” معًا. جلسنا على مائدة واحدة.
وعندما حان وقت الرحيل، بدا البيت أقل وحدة.
مسكت أبي، فشعرت بهشاشة كتفيه. ومسكت أمي طويلًا.
“هكلمكم يوم التلات… الساعة ستة”، قلت. “هثبّتها في الجدول.”
“مش لازم لو مشغول يا حبيبي”، قالت أمي بعادتها القديمة.
“مشغول… بس مش للدرجة دي.”
وكنت صادقًا.
وفي المرآة الخلفية، رأيتهما واقفين على الشرفة، يلوّحان حتى اختفت سيارتي… كما كانا يفعلان عندما غادرتُ للجامعة.
وضعت يدي على المقعد الفارغ بجانبي… المكان الذي كان رَسْتي يجلس فيه. قلبي كان موجوعًا — ولكنه وجع جميل. وجع استيقاظ.
الخلاصة:
نحن نظن أن لدينا الوقت.
نظن أن والدينا، وأصدقاءنا، ورفقاء حياتنا من الحيوانات سيبقون إلى الأبد.
لكن كلمة “يومًا ما” أخطر كذبة نصدقها.
رَسْتي علّمني أصعب درس دون أن ينطق كلمة:
الحب… حضور.
ليس مالًا. ليس نجاحًا. ليس هدايا.
إنه أن تكون هناك… بجسدك، بقلبك، بروحك.
لا تنتظر الوقت المناسب.
لا تنتظر المرض.
لا تنتظر
اتصل. زر. اقترب.
افعلها اليوم.
لأن أغلى ما في الحياة… هو الندم الذي يأتي متأخرًا.