زوجي قال غادري الآن… وما حدث بعدها لا يصدّقه عقل!
زوجي قال غادري الآن وما حدث بعدها لا يصدقه عقل!
لم أكن أتصور أن ليلة الاحتفال بعيد ميلاد جدتي الخامس والثمانين ستنقلب إلى بوابة نحو جرح عائلي لا يندمل وأن همسة واحدة قالها زوجي ستغير مجرى حياتي إلى الأبد. كانت الليلة تبدو في ظاهرها عادية تماما منزل جدتي الصغير في إحدى ضواحي كونيتيكت امتلأ كعادته بالأقارب والضحكات والأصوات المتداخلة وعبق الطعام الذي تحضره عماتي كل عام. بدا البيت بطقوسه وأحاديثه كما لو أنه ملاذ آمن لا يمكن أن يتسلل إليه الشر.
كانت جدتي إلينور تجلس على كرسيها المعتاد قرب النافذة وقد ازدانت ببروش اللؤلؤ الذي أهداه لها جدي قبل عقود. وجهها المتجعد يشع دفئا وابتسامتها التي تعودناها لم تتغير رغم وهن السنوات. أما أنا فكنت منشغلة باستقبال الضيوف والاطمئنان على ترتيبات الحفل.
وحده ديفيدزوجيكان خارج هذا المشهد. وقف قرب الردهة ظهره مشدود عيناه تتحركان بين الوجوه وفكه متقلص وكأن شيئا لا يراه غيره يحدث أمام عينيه. بدا صامتا بصورة غير مألوفة فظننته متعبا من مناوبته الطويلة في المستشفى ولم أعر الأمر اهتماما.
غير أن كل شيء تغير في لحظة واحدة.
اقترب من أذني فجأة حتى شعرت بحرارة أنفاسه وهمس بصوت خافت مضطرب
احملي حقيبتك
تجمدت. رفعت نظري إليه فرأيت في عينيه بريق خوف يضرب بجذوره عميقا خوفا لم يسبق أن رأيته فيه قط. لم يمهلني وقتا للتفكير إذ أمسك بيدي وأشار برأسه نحو الباب. تبعته بخطوات آلية ربما بدافع غريزة لم أفهمها إلا لاحقا. وما إن دخلنا السيارة حتى أغلق الأبواب بسرعة مبالغ فيها وكأنه يحاول فصلنا عن عالم ينهار خلفنا.
نظر أمامه طويلا يده ترتجف فوق عجلة القيادة ثم قال بصوت مبحوح
هناك شيء خاطئ خاطئ جدا داخل ذلك المنزل.
ارتفع قلبي في صدري كطائر مذعور. سألته
ماذا رأيت
ابتلع ريقه ثم قال إنه لا يستطيع أن يشرح كل شيء بدقة لكنه سمع همسات غريبة في المطبخ عن حسابات جدتي ورأى أوراقا مبعثرة على مكتب الردهة لم يكن ينبغي أن يراها أحد وسمع نقاشا حادا بين عمي دانيال وابنة عمي ميغان نقاشا يتناقض مع كل ما نعرفه عن الأسرة.
لم أفهم شيئا أو ربما لم أرد أن أفهم.
قاد السيارة نحو موقف متجر قريب ثم أمسك هاتفي ووضعه في يدي وقال بصوت لا يقبل التردد
اتصلي بالشرطة فورا.
لم أصدق نفسي. شعرت كأنني في مشهد من فيلم لا من حياتي. قلت له
ديفيد ما تقوله جنون.
لكنه هز رأسه بقوة وقال
إن كنت مخطئا فسأعتذر للجميع ولكن إن كنت محقا فقد تكون جدتك
كانت الجملة كفيلة بأن تطيح بكل شك في داخلي. اتصلت بالشرطة بينما يدي ترتجف وصوتي متكسر فيما كانت صورة جدتي تتراقص في ذهني.
وصلت الشرطة إلى البيت وبدا كل شيء من الخارج طبيعيا بل واحتفاليا الموسيقى الأضواء ضحكات الأطفال. لحظتها تمنيت أن يكون ديفيد مخطئا وأن ينتهي الأمر باعتذار محرج لكن الأمنية ماتت سريعا.
فبعد خمس عشرة دقيقة فقط خرج أحد الضباط من المنزل مسرعا يطلب دعما عاجلا عبر جهازه اللاسلكي وملامح وجهه مشدودة كأن شيئا فادحا اكتشف للتو.
عندها فقط بدأ الخوف الحقيقي ينهشني.
أمرت الشرطة الجميع بالخروج من المنزل والوقوف في الحديقة بينما بدأ التفتيش الدقيق. وقفت العائلة مذهولة الأسئلة تتطاير بينهم بلا إجابات. رأيت عمي دانيال غاضبا يرفع صوته بينما كانت ميغان تخفض رأسها وتضم حقيبتها إلى صدرها كأنها تخفي شيئا داخلها.
سألت ديفيد وأنا أرتجف
قل لي الآن ماذا سمعت بالضبط
مسح جبينه بكفه وقال
لقد كان عمك يصيح في وجه ميغان داخل المكتب. قال لها بالحرف
ستوقعين الليلة شاءت أم أبت.
فأجابته ميغان بأنها زورت الوثائق الأخيرة لأن إلينور لم تكن واعية بما يكفي وإنه يجب نقل الملكية قبل أن يكتشف المحامون الحقيقة.
كاد قلبي يتوقف. لم يخطر
بعد دقائق عاد أحد الضباط وسألني
هل أنت حفيدة السيدة إلينور بارنز
نعم.
عليك أن تري هذا.
دخلت المكتب فرأيت مستندات تحويل ملكيات وصياغات وصايا معدلة في الأيام الأخيرة وتوكيلات قانونية لم أسمع عنها قطها تصب في مصلحة دانيال وميغان. كانت الأوراق كافية لتهز أي بيت لكنها لم تكن أسوأ ما وجد.
فبعد دقائق قليلة وجد الضباط جدتي.
وجدوا إلينور جالسة في غرفة خلفية ليست جزءا من الاحتفال نصف وعيها مطفأ وإلى جوارها زجاجة دواء مهدئ فارغة تقريبا. اشتبه المسعفون أنها تناولت جرعة أكبر مما وصف لها جرعة ربما لم تتناولها بنفسها.
صرخت عمتي ليزا وهي تراها
من فعل هذا بها!
لكن لم يحتج أحد إلى إجابة.
اصطحبت الشرطة دانيال وميغان إلى مركز التحقيق بينما وقفت العائلة خارج المنزل في دوامة صمت خانق. لم يكن أحد قادرا على استيعاب ما يجري وكأن الحقائق التي انكشفت في لحظات قصيرة كانت أكبر من قدرة الجميع على الاحتمال. أما أنا فكنت أهدأ ظاهريا مما أشعر به في داخلي وكأن روحي تمشي على زجاج مكسور وكل خطوة مؤلمة لكنها ضرورية.
نقلت جدتي إلى المستشفى ورافقتها طوال الطريق