كل ليلة، كان زوجي ينام في غرفة ابنتنا… فوضعتُ كاميرا مخفية. وما اكتشفته في التسجيل جعل يديّ ترتجفان وقلبي يتوقف لثوانٍ
كل ليلة كان زوجي ينام في غرفة ابنتنا فوضعت كاميرا مخفية. وما اكتشفته في التسجيل جعل يدي ترتجفان وقلبي يتوقف لثوان.
اسمي كارولاين كاري ميتشل امرأة في الثانية والثلاثين أسكن مدينة بورتلاند في ولاية أوريغون تلك المدينة التي تتقاطع فيها رائحة المطر مع صمت الغابات وتختلط فيها الذاكرة بالطرق التي لا تنتهي. لطالما ظننت أن الأمومة طريق واحد وأن الحب وحده يكفي لتهدئة العواصف التي تهب على قلب طفل صغير. كنت أعتقد أنني أم جيدة وربما كنت مخدوعة بذلك الاعتقاد أو ربما كنت أحاول التمسك به كي لا أسقط في هاوية اللوم التي طالما هربت منها.
بعد طلاقي الأول عدت إلى المنزل محملة بابنتي الصغيرة إيما أحملها بين ذراعي كما لو كنت أحتضن قلبي ذاته. وعدت نفسي يومها أن أبقى لها السقف والحصن والملاذ وأن أكون الجدار الذي لا يتصدع مهما عصفت به أيام الحياة. مضت السنوات وفي داخلي جرح صامت لا أعترف به أحد حتى ظهري لكنه ظل يذكرني بأن الوعود شيء وانكسارات الواقع شيء آخر تماما.
بعد ثلاث سنوات التقيت إيفان بروكس. رجل هادئ ملامحه تشبه تلك الوجوه التي تجد فيها راحة لا تعرف سببها. كان ناعم الكلمات لكنه ثابت الطبع لا يرفع صوته ولا يجرح الصمت ولا يتسلل إلى حياتك
لم يشعر إيما يوما بأنها غريبة عنه. كان يجلس إلى جوارها كأنه يعرف لغتها الخفية منذ زمن بعيد. كنت أظن أننا وجدنا السلام أخيرا بعد كل العواصف التي اجتاحتنا وأن البيت بدأ يستعيد دفئه شيئا فشيئا.
لكن أطفالنا يمتلكون عالما لا نعرفه وأحيانا يصرخ هذا العالم من بين الصمت.
إيما أكملت عامها السابع هذا العام مزيج من البراءة والقلق عيناها الواسعتان تنظران إلى الأشياء كأنها تحاول تذكر شيء نسيته. كانت تعاني منذ طفولتها من نوبات غريبة أثناء الليل تستيقظ باكية أو تبلل فراشها أو تحدق في الفراغ بعينين زائغتين كأنها تطارد ظلا لا نراه نحن.
كنت أظن أن غياب الأب هو السبب وأن دخول إيفان إلى حياتنا سيعيد التوازن. تمنيت ذلك تمسكت به لكن الليل ظل يخبئ لها خوفه وظلت ابنتي تنام وتصحو على ارتعاشة لا نعرف مصدرها.
ثم بدأ شيء جديد يتشكل أمامي شيء لم أستطع تجاهله.
منذ شهر تقريبا لاحظت أن إيفان يغادر سريرنا منتصف الليل كل يوم. كان يتحرك بخفة كي لا يستيقظني كأنه يمارس طقسا يعرف أنه لن يروق لي. وحين سألته
ظهري يؤلمني يا عزيزتي الأريكة في غرفة المعيشة أكثر راحة.
صدقته. أو ربما أردت أن أصدقه.
لكن ذات ليلة حين نهضت لأشرب الماء رأيته.
لم يكن على الأريكة.
كان في غرفة إيما.
كان الباب نصف مفتوح يمر منه الضوء البرتقالي لمصباحها الليلي كخيط خائف. رأيته مستلقيا بجانبها ذراعه تحيط بكتفيها الصغيرين بحنان لا يجرؤ المرء على الشك فيه لكن الشك حين يدخل قلب أم لا يخرج بسهولة.
وقفت متجمدة سألت بصوت مرتجف لا يشبهني
إيفان لماذا تنام هنا
رفع رأسه ببطء. لم يكن خائفا لم يتلعثم فقط بدت على ملامحه آثار الإرهاق.
كانت تبكي مجددا دخلت لأهدئها ويبدو أنني غفوت قربها دون أن أشعر.
كان كلامه منطقيا لكن قلبي لم يهدأ. شيء ما كان يضغط صدري إحساس غامض يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة ذلك الصمت الثقيل الذي يعرف فيه المرء أن شيئا ما على وشك الانهيار.
خفت. ليس فقط من فقدان الثقة بل من احتمال أن يكون الخوف الذي تراودني عنه الأفكار أسوأ مما أستطيع احتماله.
وفي ليلة خذلتني شجاعتي اتخذت قرارا لا تفخر به أي أم.
وضعت كاميرا صغيرة في زاوية غرفة إيما. أخبرت إيفان أنني أختبر نظام الأمان. لم يشك. لم يسأل. ربما كان يثق بي أكثر مما أستحق.
وفي تلك
وعند الثانية فجرا حدث ما لم أكن مستعدة لرؤيته.
ظهرت إيما جالسة فجأة في سريرها عيناها مفتوحتان لكن بلا حياة. نهضت ببطء كأنها تتحرك داخل حلم ثقيل ثم بدأت تمشي في الغرفة تصطدم برأسها الخفيف بالجدار ثم تتوقف واقفة كأنها تستمع إلى صمت لا يسمعه سواها.
شعرت بأن الدم انسحب من وجهي.
بعد دقائق دخل إيفان.
لم يصرخ. لم يفزع. اقترب منها كما يقترب المرء من طائر جريح. وضع يده على كتفها همس لها بشيء لم تلتقطه الكاميرا وفجأة ارتخت أطرافها وعادت إلى الفراش كأنها تستجيب لنداء مألوف. غطاها بلطف ثم جلس بجانبها يراقبها حتى هدأت أنفاسها.
وبقي الليل كله ساهرا.
وأنا بقيت أرتجف.
في الصباح حملت الفيديو إلى مستشفى الأطفال. شاهد الطبيب التسجيل بتركيز شديد ثم قال بهدوء صادم
ابنتك تعاني من نوبات المشي أثناء النوم وغالبا تحمل خوفا عميقا أو أثر صدمة عاطفية.
ثم نظر إلي وسأل سؤالا شق داخلي نصفين
هل ابتعدت عنها لفترة طويلة في سنواتها الأولى
لم أجب.
لأن الذكريات بدأت تسقط فوقي كأسياف.
تجمدت أمام سؤال الطبيب. لم يكن سؤالا عابرا بل مفتاحا لباب ظللت أطرده من ذاكرتي لسنوات. عاد إلى ذهني ذلك الشهر الطويل الذي اضطررت فيه