حين همست ابنتي في الظلام أبي أنا ما زلت حيّة

لمحة نيوز

حين همست ابنتي في الظلام: أبي… أنا ما زلت حيّة
حين انبثق الهمس من قلب الظلام:
«أبي… أنا ما زلتُ حيّة.»
سقط الكوب من يدي ارتطامًا مدويًا على الأرض الخشبية، وتفتّت إلى شظايا متنافرة قبل أن يعي عقلي أنني أفلتُّه أصلًا.
كنت قد عدت قبل قليل من المقبرة، بعد أن وقفت طويلًا أمام حجرٍ يختزن اسـم ابنتي، وعدت إلى مكتبي كما أفعل كل ليلة منذ ثلاثة أشهر. لم أشأ أن أشعل مصابيح السقف؛ فقد صرت أفضّل نصف العتمة، تلك التي لا يكسرها إلا ضوء المصباح النحاسي فوق مكتبي، وخيطٌ باهت من ضوء القمر يتسلّل عبر أبواب الشرفة.
في يدي اليسرى كانت القلادة الفضية الصغيرة التي وضعتها في تراب قبرها ثم لم أحتمل تركها هناك. أمّا يدي اليمنى، فقد كانت تحمل كوب ماء لم يبقَ منه شيء.
اهتزّت يداي حتى اضطررت إلى الجلوس.
قال أهل البلدة إن الحزن ابتلعني، وإنني لم أعد الرجل ذاته بعد الحريق… ذلك الحريق الذي ابتلع البيت الذي كانت تقضي فيه عطلة نهاية الأسبوع. وحين وصلت سيارات الإطفاء، لم يبقَ إلا أخشاب سوداء ودخان خانق. قالوا إن بقايا الجسد التي وُجدت تعود إليها، وإن الأمر لا يحتمل الشك.
كانت هناك جنازة.
نعش مغلق.
حجر رُسِم عليه اسمها.
وبصوت واحد كرّر الجميع: عليك أن تقبل الحقيقة.
حاولت أن أصدّق. كنت أشرب شاي الأعشاب الذي تحضره لي فانيسا كل مساء، وهي تضع يدها على كتفي كمن يربّت على قلب يحتضر:
«هذا لأعصابك يا ماركوس… أنت لا تنام جيدًا.»
وأتناول

الحبوب التي يضعها أخي كولبي في كفي كل صباح:
«هذا وصفة الدكتور هاريس… ستجعلك ترتاح.»
ويومًا بعد يوم، كنت أثقل… أبطأ… أكثر وهنًا. أنسى مواعيد العمل، أحدّق في الجدران، تضيع منّي الساعات.
وكنت أظن أن هذا هو الحزن، ولم يخطر ببالي أنه قد يكون شيئًا آخر.
إلى أن جاءت تلك الليلة.
سمعت الصوت قبل أن أرى شيئًا… صوتًا خفيفًا، كأن أسنانًا باردة ترتجف في الظلام. رفعت رأسي، فإذا ببقعة من الضوء قرب أبواب الشرفة تنكشف عن جسد صغير منكمش داخل بطانية متّسخة.
لعشر ثوانٍ رفض عقلي تصديق ما يراه.
همست: «لا…»
كانت الكلمة دعاءً ويأسًا وإنكارًا في آن واحد.
قلت بصوت متشظٍ:
«أنتِ… أنتِ لستِ حقيقية… لا يمكن أن تكوني هنا، أنتِ—»
وتوقفت قبل أن أنطق الكلمة التي قتلتني ثلاثة أشهر كاملة.
ارتجف الجسد عند سماع صوتي، وخرج من تحت البطانية أنين خافت… ثم كلمة واحدة قلبت كياني:
«أبي…»
تجمّد نبضي، ثم عاد يطرق ضلوعي كمن يريد أن يشقّها. أمسكت بحافة المكتب كي لا أسقط.
نهضت ببطء، قدماي ثقيلتان كأنهما حجران. مالت الغرفة حولي، وقلت لنفسي إنها إحدى نوبات الإغماء التي اعتدت أن تفاجئني منذ أشهر. لكن… كلما اقتربت، تبيّنت التفاصيل.
بطانية ممزقة موحلة.
قدمان حافيتان تنزفان.
كاحلان مغبرّان.
شعر متشابك يلتصق بوجه مرسوم عليه الغبار والدموع.
ثم رأيت عينيها.
تلك العينان.
رأيتهما يوم وُلدت، ويوم أحرزت هدفها الأول، ويوم تلقّت رسالة قبولها في برنامج الرسم،
ويوم ركضت صباح العيد تحمل جرابها الصوفي الملوّن.
كنت سأعرفهما في أي مكان.
شهقت كلوي، ثم انسحبت خطوة إلى الخلف، كأنها تخشى أن أقترب فأؤذيها. همست بصوت متقطع:
«أرجوك… لا تدعهم يعلمون أنني جئت… سيجدونني إن عرفوا.»
توقفت على بعد خطوات منها، أخشى أن تطير كسراب إن اقتربت أكثر.
قلت وأنا أرتجف:
«مِمّن تختبئين يا كلوي؟ ماذا حدث؟»
انتقلت عيناها بين الباب والممر، وكأنها تسمع خطوات لا أسمعها. ثم همست باسميْن ما كان ينبغي أن يخرجا من فمها:
«فانيسا… وعمي كولبي.»
تجمّدت في مكاني.
زوجتي… وأخي.
رفيقا حزني، من رتّبا الجنازة، من بكيا معي، من أمسكا بيدي حين ظننت أنني انهرت.
قلت بصوت مرتجش:
«هذا… هذا مستحيل. هما كانا هنا كل يوم… وهما من رتّ
قاطعتني بصوت حاد:
«كان مسرحًا يا أبي… كلّه. الحريق… القصة… كل شيء خطّطا له.»
حدّقت فيها، لا أعرف أي جزء فيّ ما زال يملك القدرة على الفهم.
قالت:
«قالا إنك لن تتوقف عن العمل، وإنك ستدمّر الشركة قبل أن تسمح لأحد بالاقتراب من إدارتها. قالا إنني… العقبة رقم واحد. العقبة التي يجب حذفها.»
ارتجفت كتفاها، ثم أضافت:
«اختطفاني بعد المدرسة… أخذا بي إلى منزل صغير قرب الغابة… بجانب البحيرة القديمة التي يحبها عمي. سمعتهم يتحدثون… سمعت اسمك. قالا إن الوقت حان لكي تتعب… لكي تُكسر… لكي تصبح هشًّا بما يكفي ليسهل التحكم بك.»
ثم همست:
«الحريق لم أكن فيه… أشعلوه بعد أن أخذوني. وضعوا شيئًا يحترق
بالطريقة التي يريدونها… ليبدو الأمر كأن أحدًا كان داخل البيت.»
سألتها:
«وكيف هربتِ؟»
قالت:
«ترك أحد رجالهما الباب الخلفي مفتوحًا… كان مشغولًا بهاتفه. ركضت… واختبأت في الغابة. رأيت الدخان… سمعت صافرات الإنقاذ… ثم رأيت جنازتي يا أبي… رأيتك واقفًا أمام حجر يحمل اسمي…»
وانهارت دموعها.
ثم قالت بصوت ينهار معه الهواء:
«أردت أن آتي إليك… لكنهما كانا هناك أيضًا. وبعد أن غادرت… سمعتهما يضحكان.»
قلت مذهولًا:
«يضحكان؟»
هزّت رأسها.
«قالا إن الجزء الأول من خطتهما انتهى… وإن الوقت حان للتخلّص منك.»
همستُ:
«كيف؟»
قالت:
«قالا إنك غارق في حزنك… وإنك أصبحت ضعيفًا. وإنهما سيواصلان إعطاءك ما يكفي من الشاي والحبوب… ليزداد ضعفك… ويصدّق الجميع أنك أصبحتَ ترى أشياء غير موجودة.»
عبرت قشعريرة باردة عمودي الفقري.
الشاي…
الحبوب…
الدوخة…
الأيام الضائعة…
لم يكن حزنًا فقط.
قالت كلوي:
«هما لا يريدان الشركة فقط… يريدانك أنت خارج حياتهما تمامًا.»
قلت ببطء:
«سنذهب إلى الشرطة. الآن.»
هزّت رأسها بعنف.
«سبقاك. جمعا أوراقًا تقول إنك لست على ما يرام… قالا إنك ترفض العلاج… وإنك بدأت ترى أشياء بسبب حزنك. لو ظهرنا الآن، سيقولان إنني فتاة تتوهم… وإنك مريض.»
تنفستُ بعمق، ثم قلت:
«حسنًا… إن كانا قد وضعا لعبتهما… فسنضع لعبتنا نحن.»
ومن تلك اللحظة بدأ كل شيء.
في الأيام التالية تظاهرت بمرض أكثر شدة. تركت فانيسا تراني أتعثر. تركت كولبي يستلم
القرارات. وقّعت الأوراق بيد مرتجفة. بدا الأمر كما يريدان تمامًا… بينما كنت 

تم نسخ الرابط