تركتني زوجتي وأطفالنا بعد أن فقدت وظيفتي

لمحة نيوز

تركتني زوجتي وأطفالنا بعد أن فقدت وظيفتي وبعد عامين صادفتها صدفة في مقهى وكانت تبكي. 
قبل عامين تركتني زوجتي وأطفالنا في أصعب فترة في حياتي.
لم أكن أتخيل في أكثر لحظات حياتي انكسارا أن ينتهي بي الطريق إلى تلك الطاولة الصغيرة في مقهى هادئ أراقب المرأة التي تركتني يوما ما جالسة وحدها تبكي كأن العالم كله انهار فوق كتفيها. لكن الحكاية لم تبدأ هنا بل بدأت قبل ذلك بعامين حين دفعت دفعة واحدة إلى قاع لم أتوقع أن أقترب منه يوما.
في ذلك الوقت فقدت وظيفتي في شركة كنت أعمل فيها لأكثر من عشر سنوات. كنت أظن أنني سأشيخ خلف مكتبها لكن الخسارات تأتي عادة دون موعد. عدت يومها إلى البيت منهكا أبحث عن حضن يخفف عني وطأة السقوط. لكن آنا زوجتي وأم توأمنا ماكس وليلي لم تر في ضعفي إلا عبئا جديدا. كل كلماتها كانت باردة كأنها صيغت من حجر. وفي ليلة رمادية كانت حقيبتها الصغيرة أقوى من كل الوعود التي قطعتها لي ذات يوم. وقفت عند الباب وقالت بوجه بلا ملامح
لا أستطيع الاستمرار لم أعد أحتمل.
ثم غادرت.
لم أستوعب الأمر إلا حين جررت حقيبة أطفالنا إلى غرفهم وفي يدي اليمنى ماكس وفي اليسرى ليلي وكلاهما

يبكيان في آن واحد ويسألان السؤال الذي لم أعرف كيف أجيب عنه
بابا فين ماما
كانت السنة الأولى جحيما صامتا. كنت أعمل سائق سيارة أجرة ليلا وأقوم بتوصيل البقالة نهارا وأطهو للأطفال وأغسل ثيابهم وأقرأ لهم القصص قبل النوم وأكذب بابتسامة كي لا يروا الشرخ الذي يكبر داخلي. لم يكن ينقصني الألم بقدر ما كان ينقصني الوقت لأتنفس.
ومع ذلك تغير كل شيء ببطء.
بعد أشهر طويلة من الكفاح حصلت على تدريب في مجال الأمن السيبراني. كنت أدرس بينما ينام الأطفال وأعمل بينما يستيقظون وأقاوم النوم بينما يصرخ الماضي في رأسي. ثم جاءت الفرصة وظيفة صغيرة لكنها ثابتة ثم أخرى أفضل حتى بدأنا نرتب حياتنا من جديد. انتقلنا إلى شقة أصغر لكنها دافئة وبدأت أرى في عيون طفلي شيئا من الطمأنينة.
لم نعد نعيش فقط لقد بدأنا نزدهر.
ومع مرور الأيام أصبحت أؤمن بأن الباب الذي أغلقته آنا خلفها كان نعمة مختفية داخل جرح.
لكن القدر يحب أن يختبر ثباتنا حين نظن أننا أخيرا وقفنا على أقدامنا.
في أحد الصباحات وبعد أن أوصلت ماكس وليلي إلى الحضانة دخلت مقهى قريبا من المنزل الجديد لآخذ قهوتي المعتادة. وما إن رفعت رأسي حتى تجمد كل
شيء. كانت هي.
آنا.
جالسة وحدها رأسها منخفض والدموع تتساقط بصمت فوق الطاولة.
لم أرها منذ سنتين كاملتين. لم يصلني منها اتصال رسالة حتى اعتذار لا معنى له. والآن أراها بهذا الضعف وكأن الحياة قررت أن تعيد ترتيب الأدوار التي مزقتنا يوما ما.
بدت مختلفة نحيلة بملابس باهتة وشعر غير مرتب ودوائر سوداء تحت عينيها. للحظة اجتاحني شعور غريب ليس شفقة ولا حبا بل ثقل لم أعرف مكانه
كيف يمكن لامرأة أن تتخلى عن ثلاثة قلوب دفعة واحدة
حاولت تجاهلها لكن شيئا داخلي ربما الأب الذي بداخلي ربما الرجل الذي بقي رغم رحيلها أجبرني على الاقتراب.
رفعت رأسها فجأة وتجمدت نظرتها في وجهي. رأيت في عينيها صدمة ثم خجلا عميقا يشبه انكسار الزجاج. همست بصوت متحشرج
ديفيد لم أكن أتوقع أن أراك.
جلست أمامها ببطء. قلت بصوت لا أعرف كيف خرج متماسكا
غادرت دون كلمة دون تفسير. والآن أراك تبكين في مقهى. ما الذي يحدث
ارتجفت يداها وخفضت بصرها كأن الأرض أهون من النظر في عيني.
قالت أخيرا
أخطأت. أعلم ذلك أخطأت كثيرا.
لم أرد. كان الصمت أكثر قسوة من الكلام.
تابعت بصوت مكسور
ظننت أنني أستطيع العيش وحدي. أردت حياة أفضل أردت
أن أهرب من الضغط من الديون من كل شيء. لكنني لم أجد إلا الفراغ.
حدقت فيها طويلا ولا أدري لماذا شعرت أن الكلمات لا تزال ناقصة.
قالت وهي تمسح دموعها
فقدت وظيفتي بعد أشهر قليلة. صرفت مدخراتي بسرعة ثم توقفت مساعدات والدي. وانفض عني كل من كنت أظنهم أصدقائي. انتهى بي الحال من عمل لآخر ومن غرفة رخيصة إلى أخرى.
كانت ترتجف. وبالرغم من الجرح الذي تركته في حياتي لم أستطع تجاهل إنسانيتها المنهارة.
قلت لها ببرود محسوب
القرارات لها ثمن يا آنا.
رفعت عينيها إلي وقالت
أعلم وأدفعه كل يوم.
ثم أضافت وهي تكاد تهمس
أفتقدك وأفتقد الأطفال. أريد العودة.
تجمدت كأن الكلمات كانت سكينا انغرز في ذاكرة قديمة.
تلك الجملة أريد العودة بقيت معلقة في الهواء مثل باب قديم يفتح بصوت صرير مفاجئ باب ظننت أنني أغلقته بإحكام منذ زمن طويل. حدقت فيها طويلا في انكسار صوتها وفي شحوب وجهها وفي ذلك الارتعاش الذي لم أعرفه عنها يوما. آنا التي عرفتها كانت قوية متوترة دائما لكنها لم تكن منهارة. لم تكن تبكي. لم تكن تتوسل.
قلت بهدوء لا يشبه العاصفة التي اشتعلت داخلي
تريدين العودة الآن بعد عامين كاملين
لكنها اكتفت بالإيماء
كأن الكلمات نفسها شوهت حلقها.
مدت يدها
تم نسخ الرابط