ذهبتُ إلى جنازة حماتي السابقة لأقدّم واجب العزاء، ولم أتوقع أن شيئًا سيصدمُني هناك
ذهبت إلى جنازة حماتي السابقة لأقدم واجب العزاء ولم أتوقع أن شيئا سيصدمني هناك
لم يخطر ببالي ولو في أكثر لحظات حياتي غرابة أن خطاي ستعود بي إلى بلدة ويلو كريك الصغيرة البلدة التي ظننت أن علاقتي بها انقطعت إلى الأبد منذ اليوم الذي خرجت فيه من حياة هناه ميتشل. والأغرب من عودتي أني عدت في يوم لم أتصور يوما أن أكون جزءا منه جنازة حماتي السابقة السيدة ليندا ميتشل.
أربع سنوات مرت منذ أن انتهى زواجنا نهاية صامتة لا ضجيج فيها ولا انهيار درامي بل أوراق قانونية مختومة وقلبان مرهقان فقدا القدرة على المحاولة. خمس سنوات من الزواج وثلاث قبلها من علاقة كنت أظنها متينة كجذع شجرة عتيقة فإذا بها تتفتت كغبار تحت أول رياح حقيقية. كنت أؤمن أن الحب حين يكون صادقا قادر على الصمود أمام كل عاصفة. لكني حين خرجت من ذلك البيت للمرة الأخيرة أدركت أن العواصف لا تنشئ الشقوق بل تكشفها فقط.
اليوم وأنا في الرابعة والثلاثين من عمري أعود إلى هنا كغريب بلا جذور رجل مطلق يحاول أن يبدو متماسكا بينما تطارده ذكرى امرأة تمنى يوما أن يمنحها أمانا لم يعرف كيف يحافظ عليه.
امتلأت دار العزاء برائحة الزهور البيضاء الممتزجة
ابتلعت ريقي بصعوبة.
لم أعد أنتمي إلى هذا المكان.
وأسوأ ما في الأمر أن المكان نفسه يعرف ذلك.
ورغم كل شيء ظلت السيدة ليندا تحتل في قلبي مساحة من احترام صادق. كانت لطيفة معي دوما حتى حين كنت أخفق كزوج حتى حين بدأ كل شيء يميل نحو نهايته المحتومة. تقدمت ببطء نحو المذبح وضعت وردة بيضاء وانحنيت قليلا. لوهلة شعرت وكأن ثقل السنوات كلها يهوي فوق كتفي دفعة واحدة.
وحين استدرت رأيتها.
هناه.
كانت تقف قرب الجدار محاطة ببعض أقاربها وجهها شاحب كضوء الفجر وعيناها متورمتان من أثر البكاء. كانت أنحف مما أتذكر أضعف أبعد كثيرا عن المرأة القوية التي عرفتها يوما. احترق صدري بنبضة مؤلمة.
لاحظت وجودي.
مر على وجهها طيف من الدهشة ثم ارتباك ثم سكون متحفظ يشبه بابا أغلق بلا صوت. أومأت برأسها. بادلتها الإيماءة. لا كلمة بيننا. ليس بعد.
ابتعدت
تمهل يا صغير على مهلك.
انحنيت تلقائيا لأمسك بالطفل الذي اندفع نحوي. كان لا يتجاوز الثالثة من عمره عينان واسعتان بنيتان وخصلات شعر ناعمة متناثرة على جبينه. رفع وجهه إلي
وتجمد الزمن.
ملامحه عيناه أنفه خط الفك
كان يشبهني.
يشبهني بشكل قاس صريح لا يقبل التأويل.
نسخة صغيرة مني.
انحشر الهواء في صدري كأن الرياح توقفت. رمش الطفل ثم قبل أن أنطق بكلمة جاءت إحدى قريبات هناه مسرعة وانتشلته من بين يدي.
كاليب! لا تركض هكذا! أنا آسفة جدا.
كاليب.
اسمه كاليب.
رفعت بصري نحو هناه. كانت واقفة بلا حركة يداها ترتجفان وهي تشد على منديل ورقي. عيناها تنتقلان بيني وبين الطفل ثم تنخفض فجأة كأن النظر إلي صار مؤلما.
قلبي ارتطم بقفصي كحجر ثقيل.
لا.
لا يمكن.
لكن الشبه الشبه كان يصرخ.
انتظرت حتى انتهت مراسم العزاء وبدأ الناس بالمغادرة. بقيت هناه مع والدها السيد ريتشارد ميتشل الذي بدا وكأنه تقدم عشر سنوات منذ آخر مرة رأيته فيها. حين اقتربت رفع رأسه بدهشة خفيفة.
إيثان لم أتوقع حضورك.
ليندا كانت طيبة معي. لم أستطع عدم المجيء.
أومأ بصمت ثم تركنا وحدنا للمرة
لم تنظر إلي.
وشعرت في تلك اللحظة أن الهواء بيننا أثقل من قدرتي على احتماله.
كيف حالك يا هناه سألت بصوت هادئ.
أنا بخير اليوم ليس عني.
أعلم لكن يجب أن أسألك.
توترت كتفاها فورا.
قلت ببطء
ذلك الطفل كاليب هل هو
قاطعتني بحدة مرتجفة
لا تفعل.
هناه إنه يشبهني. يشبهني بطريقة لا يمكن تجاهلها.
إيثان أرجوك. ليس هنا.
لكني لم أعد أستطيع الصمت.
قلت بحشرجة
أريد الحقيقة أستحق أن أعرف.
طال صمتها ثم خرج صوتها كخيط رقيق يكاد ينقطع
نعم إنه ابنك.
توقفت الدنيا.
تلاشت الأصوات اختفى الضوء كأن الأرض انكمشت تحت قدمي.
ابني.
ابني كان على بعد ذراع ولم أعرفه.
أغمضت هناه عينيها لحظة وكأنها تتهيأ لجرح تعرف أنه سينفجر مهما حاولت الهرب منه ثم قالت بصوت متهدج
اكتشفت حملي بعد أشهر من الطلاق. رحلت غيرت رقمي غيرت كل شيء. لم أردك أن تعرف.
كانت كلماتها بسيطة لكنها سقطت في صدري كصخرة تهوي من جبل. شعرت وكأن الهواء يسحب من رئتي.
لماذا خرج صوتي خافتا مكسورا.
لماذا أخفيت هذا لماذا حرمت طفلي من أبيه
رفعت رأسها دموعها تهبط بلا مقاومة بلا قدرة على الاختباء.
لأنك لم تعد تريدني يا إيثان.
كانت كلماتها تنساب كخيط