كان الابن الصغير للملياردير يتألّم بلا توقّف إلى أن نزعت المربية شيئًا غامضًا من رأسه

لمحة نيوز

كان الابن الصغير للملياردير يتألم بلا توقف إلى أن نزعت المربية شيئا غامضا من رأسه.
قبل أن تسلل الخيوط الأولى للفجر فوق حي سانتا كاسكادا المخملي وقبل أن تستيقظ الأشجار المصطفة على جانبي الطرقات من سباتها الليلي اخترق صرخة حادة قلب السكون داخل القصر الحجري العظيم صرخة اهتزت لها النوافذ الثقيلة كأن أحدهم ضربها بمطرقة خفية.
كانت الصرخة من فيليكس الطفل ذو الأعوام الثمانية ذاك الطفل الذي بدا في تلك اللحظة كطائر مذعور يريد الهرب من جسده أكثر مما يريد النجاة من الألم. كان متكوما تحت طبقات متشابكة من البطانيات يضغط بأصابعه الصغيرة على الوسادة والهواء من حوله يرتجف مع كل أنين يخرج منه.
اندفع جوناس إلى الغرفة بخطوات مذعورة وجهه شاحب عيناه تقدحان قلقا لم يعرف له نهاية منذ أشهر. ركع بجانب السرير وهو يكاد يفقد تماسكه وصوته يرتعش وهو يقول
فيليكس فيليكس! انظر إلي. أين يؤلمك قل شيئا يا صغيري.
لكن الطفل لم يكن قادرا على أكثر من أنين مكتوم يتصاعد من أعماقه بينما كان يضغط بكلتا يديه على قمة رأسه وكأن الألم يريد أن يشق جمجمته من الداخل.
وقف خلف جوناس فريق كامل من أطباء الأعصاب والمختصين كل منهم يحمل جهازا لوحيا يعرض صورا دماغية التقطت في معهد سانتا كاسكادا العريق. كان بينهم سيمون كبير الأطباء رجل ذو نظرة صارمة لكنها منهكة هز رأسه ببطء شديد وهو

ينظر إلى الأب المضطرب.
قال سيمون بصوت ثقيل
لا يوجد سبب عضوي يا سيدي. البنية الدماغية سليمة تماما. إننا أمام حالة نفسيةجسدية شديدة التعقيد هذا الألم ليس مصدره الجسد.
دفن جوناس وجهه بين يديه وانكسر صوته كما لو أن أحدهم يطعن الحقيقة في صدره
إذا كان كل شيء سليما فلماذا يبدو وكأنه يحتضر أمامي لماذا يا سيمون
لم يجب أحد.
فقط نظرات متبادلة ونفس طفل يتقطع.
في زاوية الغرفة كانت تقف باولا المربية الجديدة التي لم يمض على وجودها في المنزل سوى شهرين. كانت صامتة مثل ظل لا يلاحظه أحد لكن عينيها كانتا تلتقطان ما لا تراه الآلات وما لا يخطر ببال الأطباء.
لاحظت الارتجاف في ساقي الطفلليس ارتجاف خوف بل ارتجاف ألم عميق.
لاحظت الضغط المتكرر على النقطة ذاتها من فروة رأسه.
والأهم رأت هلعا ليس من مرض بل من شيء ملموس شيء يعرفه الجسد ولا يقدر العقل على وصفه.
وحين غادر الأطباء مؤقتا لتعديل الجرعات الدوائية اقتربت باولا بخطوات محسوبة من جوناس ووقفت إلى جانبه بتواضع راسخ في ملامحها.
قالت بخفوت يكاد يضيع في هدير الأجهزة الطبية
سيدي هل لي بكلمة
أومأ دون أن ينظر إليها فتابعت
لا أظن أن ما يشعر به موجود في عقله بل في مكان محدد. هناك نقطة يلمسها دائما وكأن الألم حبيسها.
قبل أن يجيب جوناس دخلت إيرين الغرفة. كانت خطوات كعبها تصطك فوق الرخام يرافقها عطر نافذ ورسالة
غير منطوقة مفادها أنها صاحبة السيطرة هنا. وقفت عند الباب ونظرت إلى باولا نظرة مبطنة بالتحذير.
قالت ببرود متكلف
باولا كم مرة يجب أن أذكرك فيليكس يعاني حساسية شديدة في رأسه. لا تلمسيه من دون قفازات. الأمر ليس اختياريا.
انحنت باولا قليلا.
نعم سيدتي.
لكن شيئا في عيني إيرين أشعل قلقا داخل صدر باولا لم يكن قلق أم بل ضيق امرأة تعرف أن تدخل الآخرين قد يفضح ما تحاول إخفاءه.
في تلك الظهيرة بينما كان جوناس في مكتبه منهمكا في مكالمة دولية رافقت باولا إيرين أثناء تجهيز حوض الاستحمام. وقفت المربية خارج الباب تستمع إلى صوت الماء المتساقط وصوت الطفل الحائر في الداخل.
قالت إيرين بصوت مرتفع وهي تصب الماء
هو فقط يكره الماء اليوم يبدو عصبيا.
لكن ما سمعته باولا لم يكن صرير خوف من الماء كان صرخة ألم حقيقية تلك الصرخة التي يتعرف عليها من عاش بين المرضى ومن عرف الألم على حقيقته.
قبضت باولا على يديها.
هنا أدركت شيئا لم يفهمه أحد غيرها
القبعة الصوفية
منع لمس الرأس
القفازات
كل تلك القوانين لم تكن حماية بل كانت ستارا.
وفي تلك الليلة حين كان الطفل يترنح تحت تأثير المهدئات الثقيلة فتح فيليكس عينيه نصف فتحة وقال بصوت متهدم
يؤلمني هنا.
رفع يده المرتجفة نحو قمة رأسه
وفي اللحظة نفسها انتفض جسده بعنف.
اقتربت باولا ووضعت يدها برفق على كتفه وهمست
أنا أراك يا صغيري
وأصدقك.
وفي صباح اليوم التالي تغير القدر مساره.
خرجت إيرين إلى حفل خيري.
وانشغل جوناس في اجتماع خارجي.
صار القصر هادئا على نحو غريب كأنه يلتقط أنفاسه قبل عاصفة.
وفجأة صعدت صرخة جديدة من الطابق العلوي.
ركضت باولا صاعدة السلالم لم تفكر لم تتردد.
وحين وصلت إلى الغرفة وجدته ملقى على الأرض يحاول بنزق أن ينزع القبعة الصوفية عن رأسه.
لا لا أوقفيه! أرجوك!
قالها وهو يبكي وجسده يتلوى من الألم.
ركعت باولا أمامه ووضعت يديها على جانبي وجهه بلطف أم لا تخاف من شيء.
وقالت بصوت ثابت
سأساعدك أعدك.
وفي تلك اللحظة سقطت كل القواعد.
سقط الخوف من الطرد.
سقطت رهبة إيرين.
وسقطت كل الحدود بين ما هو مسموح وما هو واجب.
مدت يدها
ورفعت القبعة.
وهنا يبدأ الجزء الأخطر
لم يتنفس الهواء داخل الغرفة للحظة طويلة كأن العالم كله توقف عند حد الصدمة.
فعندما رفعت باولا القبعة الصوفية انكشف ما لم يتخيله عقل بشر.
كان أعلى رأس فيليكس مشوبا باحمرار فاقع منطقة صغيرة ملتهبة كأن جمرة وضعت فوق جلده. لكن ما صعق باولا حقا لم يكن الالتهاب بل ذلك النتوء الصغير الداكن الحاد الذي يبرز من داخل فروة رأسه وكأنه جسم غريب يزرع عمدا.
رفعت يدها المرتعشة ولمست الجرح.
ارتجف الطفل لكنه لم يبعد رأسه.
كان يريد النجاة بأي ثمن.
قالت باولا بصوت خافت يتشقق مع كل كلمة
يا إلهي أحدهم فعل هذا بك.
نهضت
بسرعة جلبت وعاء صغيرا كانت قد أخفته منذ أياممنقوع أعشاب أعدته في
تم نسخ الرابط