عندما دخلت موقف الحافلات لتشتري الخبز
عندما دخلت موقف الحافلات لتشتري الخبز كان ذلك الرجل الذي يصرخ
ادخلوا بفكة يا ناس! هو ابنها الابن الذي دفنته قبل عشر سنوات.
بدأ كل شيء صباح يوم سبت في مدينة آبا يوم صاخب ومزدحم كأي يوم آخر. الناس يجرون بضائعهم يصرخون بالأسعار يركضون للعمل. لكن بالنسبة ل ماما إيبوبه كان ذلك الصباح مختلفا.
استيقظت من كابوس آخر نفس الكابوس الذي يراودها منذ سنوات. كابوس ترى فيه ابنها ذو السبع سنوات إيبوبه يناديها من مكان مظلم يمد يديه الصغيرتين نحوها لكنها لا تستطيع الوصول إليه.
مرت عشر سنوات منذ اختفائه. عشر سنوات طويلة.
كانت قد ذهبت معه إلى السوق. تركته يقف بجانب امرأة تبيع الطماطم بينما عبرت الشارع لتشتري الفلفل. وعندما عادت كان قد اختفى. هكذا فجأة.
بحثت في السوق بأكمله صرخت حتى انقطع صوتها نامت على الأرض أياما ولم تتعاف أبدا.
حاولت الشرطة. ساعد الجيران. صلت . علقت الملصقات في كل مكان.
وبعد ثلاث سنوات بدأ الناس يقولون لها تغلبي على الأمر.
وبعد خمس سنوات قالوا اقبلي أنه مات.
وبعد سبع سنوات أقامت له دفنا صغيرا لتغلق الجرح.
لكن الجرح لم يغلق أبدا.
حتى في ذلك الصباح كانت تهمس بدعائها نفسه
يا رب إن كان ابني حيا أرني إياه قبل أن أموت.
ولم تكن تدري أن الجواب كان ينتظرها في موقف الحافلات.
اللحظة التي توقف فيها كل شيء
كانت في طريقها لشراء الخبز لتبيعه.
في الموقف كان الكمساريون يصرخون ويدفعون الناس بعنف لكن شيئا شيئا غريبا جذب انتباهها.
كمساري كان يصرخ
بضاعة! بضاعة! ادخلوا بفكة! بورت هاركورت! بورت هاركورت!!
تجاهلته في البداية.
لكن حين استدار مرة أخرى وصرخ سمعت صوته.
الصوت الذي اعتادت سماعه كل يوم. صوت كان يغني لها. صوت لم تنسه أبدا.
توقف قلبها.
تجمدت ساقاها.
انغلق حلقها.
نظرت مرة أخرى.
الولد أصبح طويلا الآن ربما 17 عاما. ثيابه بالية نعاله شبه ممزق شعره أشعث.
لكن وجهه ذلك الوجه
بدأ قلبها يدق بقوة حتى شعرت أنها ستسقط.
تقدمت خطوة ثم أخرى.
إيبوبه همست.
لم يسمعها. كان مشغولا بمساعدة أحد الركاب.
إيبووووبه! صرخت بصوت أعلى.
استدار وتلاقت عيناهما.
في البداية صدمة. ثم انزعاج. ثم خوف. ثم محاولة للاعتراف بالواقع.
قال بسرعة متجنبا النظر إليها
ماما ما أنا اللي تنادينه.
اقتربت منه وهي ترتجف
دعني أرى وجهك جيدا.
تراجع خطوة.
مدام أرجوك أنا أشتغل لا تزعجيني.
لكن دموعها كانت تنهال.
عندك الندبة فوق حاجبك الندبة التي جاتك يوم وقعت في البيت إيبوبه يا ابني
رفع يده إلى حاجبه بلا وعي. الندبة كانت هناك.
تجمع الناس حولهما.
مدت يدها على ذراعه
أرجوك لا تهرب دعني فقط أنظر إليك.
ارتجفت شفتاه للحظة وظهرت لمحة من التلين في عينيه لكنه سرعان ما سحب ذراعه بعيدا.
لا
يا ابني همست هي.
صرخ
قلت لك ما أعرفك!
تلاشى الحشد من التمتمة. البعض قال ربما غلط
آخرون بس الولد يشبهها جدا
لكنه صرخ مجددا
خلوني في حالي!
وفر مبتعدا عنها.
سقطت على الأرض مرتجفة بينما ساعدها المارة على النهوض.
ابنها. طفلها. حي وهارب.
بكت حتى فقدت صوتها.
الحقيقة تظهر أخيرا
لم تعد إلى البيت.
جلست في الموقف من الصباح حتى الليل على أمل أن يعود.
عند الساعة الثامنة مساء حين غادرت آخر الحافلات رأته مجددا.
خرج من خلف حافلة ببطء بحذر وكأنه يراقبها من بعيد.
كانت عيناه حمراء.
انكسر قلبها مرة أخرى.
اقترب لكنه أبقى مسافة.
سألها بصوت خافت
لماذا لا زلت هنا
لأنك طفلي. همست.
ابتلع ريقه
مدام ما أعرفك.
أنت تعرف.
لا.
بل تعرف. همست بهدوء.
سكت. صمت طويل مؤلم.
جلس أخيرا بعيدا عنها وقال
لم يخبروني بأي شيء.
سألته وقد انقبضت أنفاسها
من
الناس الذين أخذوني.
ارتجف جسدها.
واصل
أتذكر بعض الأشياء أجزاء فقط. أتذكر السوق أصوات الناس وبعدها صحوت في بيت مقفل.
غطت يديها على فمها وهي تبكي.
علموني العمل أبيع ماء أغسل الصحون أقدم في محلهم إذا لم أحصل على المال يضربونني.
تحولت دموعها إلى نحيب.
عندما كنت صغيرا سألت عن اسمي قالوا لي تشيدي وإذا سألت كثيرا يجلدونني.
نظر إليها عيناه تلمعان
لكن أحيانا في أحلامي أسمع اسم إيبوبه لكن كنت أظنه خيالا.
انهمرت دموعها.
ثم قال الكلمات التي طعنت قلبها
هربت منك ليس لأني لا أتذكرك بل لأني لم أعرف كيف أصدقك.
همست بصوت مرتجف
والآن
نظر إليها طويلا ثم سألها بصوت طفل ضائع
هل أنت فعلا أمي
اقتربت ببطء وأخرجت صورة قديمة باهتة لصبي في السابعة يبتسم بأسنان ناقصة.
صورته الطفولية.
أمسك بها بيد مرتجفة صدره يرتفع وينخفض بسرعة. ثم فجأة انهار.
سقط على ركبتيه وضع رأسه في حضنها وبكى كالطفل
ماما ماما ماما
سامحيني
سامحيني
قالوا لي إن لا أحد يريدني
بكت حتى ابتل ثوبها.
الناس حولهم صمتوا وبعضهم بكى.
همست امرأة الله يجيب الدعوات.
العودة إلى البيت
أخذته إلى البيت تلك الليلة.
خرج الجيران يبكون يصلون يصرخون فرحا.
إخوته الصغار الذين لم يعرفوه احتضنوه.
بدا ضعيفا ضائعا لكنه آمن للمرة الأولى منذ سنوات.
في تلك الليلة نام على سرير حقيقي لأول مرة.
جلست بجانبه تراقب أنفاسه.
لم تنم لم تستطع.
كانت خائفة أن تغمض عينيها فتستيقظ لتكتشف أنه حلم.
لكنه لم يكن حلما.
ابنها عاد إلى البيت.
بعد عشر سنوات طويلة
عاد.
الدروس المستفادة
1. لا تتوقف عن الدعاء المعجزات تحدث دائما.
2. لا تفترض أن الألم قد انتهى.
3. سلوك الإنسان يشكله تجاربه.
4. ليست كل الجروح مرئية.
5. كن لطيفا كل شخص يخوض معركة لا تراها.
6. اطمئن على من تحبهم كثيرون يعانون بصمت.
7. الأمل قوة لا تقهر.
8. الشر موجود
9. الشفاء يحتاج وقتا اللقاء ليس النهاية بل البداية.
10. ما تخسره إن شاء الله سيعود إليك بطريقة تدهشك