أخي بنى نعشه بيديه
أخي بنى نعشه بيديه.
قاسه صنفره وبطنه بنفسه اختار القماش والوسائد وكل تفصيلة كأنه يجهز مكانا ليعيش فيه لا مكانا سينتهي إليه.
ونحن نحن نراقبه وهو يفعل ذلك بهدوء مخيف كأن شيئا لا يحدث.
لكن كل شيء يحدث.
بدأ الأمر قبل ستة أشهر حين فشلت الجولة الثالثة من العلاج الكيماوي.
عاد إلى البيت محطما لكنه يحمل ذلك الإصرار الهادئ الذي لازمه طوال حياته.
قال إنه يحتاج أن يبني شيئا أن يشغل يديه.
ظننا أنه سيصنع رف كتب أو طاولةأي شيء يوحي بالحياة.
لكن لا.
بدأ يقيس جسده يدون ملاحظات في دفتر صغير ويطلب أنواعا محددة من الخشب.
وحين فهمنا أغلقت أمي باب غرفتها يومين كاملين لم تستطع حتى أن تنطق الكلمة.
أكثر ما يؤلم هو هدوؤه.
كل صباح ينزل إلى المرأب يفحص الوصلات يختبر المفصلات يضع طبقة الطلاء الأخيرة بدقة تشبه فعل حب تجاه نفسه.
قضى ساعة كاملة في مكالمة فيديو مع امرأة تبيع أقمشة داخلية يسألها عما هو أكثر راحة.
تلك الكلمة راحة.
وكأنه يختار أريكة.
وحين أدركت البائعة ما هو الشيء الذي يختاره له حاولت إرجاع المبلغ.
ابتسم لها بلطف وقال إن عملها ممتاز كما هو.
الأسبوع الماضي طلب مني مساعدته في إدخال النعش إلى الداخل فقط لنتأكد أن كل شيء يناسب تماما.
حملناه معا وفي منتصف الطريق لم أستطع المتابعة.
الهواء رفض مغادرة صدري.
توقف معي صبورا كعادته كأن الألم ألمي وليس ألمه.
ثم أكملنا حتى غرفة الطعام.
دخل هو إليه استلقى داخله أغمض عينيه.
إنه مثالي. همس مبتسما.
كنت أريد أن أصرخ في وجه العالم كله.
تقول معالجته النفسية إن هذا طريقته لاستعادة السيطرة
وأن بناء هذا الشيء يمنحه إحساسا بأنه ما يزال يملك زمام أمر واحد على الأقل.
والداي يظنان أنه يستسلم أنه يدفن الأمل قبل أوانه.
أما أنا فلم أعد أعرف أين أقف.
لا أعرف ما الصواب وما الخطأ.
كل ما أعرفه أن أخيذاك الذي كان يبني مدنا من الليغو وبيوتا للطيور وهو طفل
يستخدم الآن اليدين نفسهما ليعد السرير الذي سيدفن فيه.
وعمره أربعة وأربعون عاما فقط.
أربعة وأربعون.
الآن يقف النعش في غرفة الطعام.
لامع ثابت كأنه ضيف ثالث على المائدة يتنفس أكثر مما نتنفس نحن.
نتناول العشاء
بينما كل حركة كل كلمة ترتد عن ذلك الخشب.
نمرر طبق البطاطس نتحدث عن يومنا وفي الوقت نفسه يقف هو هناك يذكرنا بما لا أحد يريد قوله.
في بعض الأيام أكرهه لأجل هذا.
لأنه ملأ البيت بظل بهذا الحجم.
لأنه يجبرنا على مواجهة ما نحاول الهرب منه.
لكن في أغلب الأيام
أفهم.
أفهم أنه يحاول مواجهة القادم بالطريقة الأكثر إنسانية التي يعرفها
بأن يخلق شيئا.
أن يستخدم يديه.
أن يضع النظام وسط الفوضى.
وذلك ما يؤلم أكثر من كل شيء
مشاهدته يبني نهايته بالاهتمام نفسه الذي كان يبني به فرحه قديما
في ليلة هادئة على غير العادة لم ينزل أخي إلى المرأب كالعادة ولم نسمع صوت الصنفرة أو المطرقة أو خطواته الثقيلة.
ظل الباب مواربا والبيت غارقا في صمت يشبه فراغا كبيرا.
عند الفجر وجدته أمي جالسا على الكرسي الخشبي قرب النعش رأسه مائل إلى كتفه كأنه غفا أثناء العمل.
نادته بخفوت
حبيبي تعال للفراش الجو بارد.
لكنه لم يتحرك.
اقتربت منه لمسته ثم صرخت.
ركضنا جميعا.
كان جسده دافئا قليلا
وجهه هادئ بلا ألم عيناه مغمضتان كما لو أنه اختار النوم داخل صوته الداخلي بعيدا عن ضوضاءنا وحزننا وخوفنا.
لم يستلق داخل النعش كما توقعنا.
لم يتم الرتوش الأخيرة.
لم يكتب وصيته ولم يترك رسالة.
ترك فقط نفسه وقد غادر.
وقف أبي أمام النعش فترة طويلة يده ترتجف فوق الخشب الذي صقله أخي بيديه.
قال بصوت مكسور
كان يحاول أن يسبق الألم فسبقه كل شيء.
أمي انهارت عند قدميه.
وأنا
ظللت أنظر إلى المكان الفارغ داخل النعش ذلك المستطيل الصامت الذي بناه كملجأ أخير
والذي سينتظره الآن ببرود لا يرحم.
في المساء حين حملناه خارج البيت بدا النعش أثقل من كل الخشب الذي صنع منه.
كأنه يحمل معه ثقل الأيام التي لم يعشها
والحكايات التي لن تكمل.
عند الدفن سقطت قبضة تراب على الخشب فأحدثت صوتا مكتوما صغيرا
لكنه حطم شيئا كبيرا داخل قلوبنا.
أربعة وأربعون عاما فقط.
أربعة وأربعون
ثم انتهى كل شيء.
وفي الليالي التي تلت كان البيت يئن في صمته.
وكلما مررت أمام غرفة الطعام أشعر وكأن ظله ما يزال هناكواقفا صامتا مبتسما
قبل أن يتركنا ونحن غير مستعدين
كما فعل دائما مع الحياة