أمي قضت طفولتي كلها تقول أنا أكلت في الشغل
أمي قضت طفولتي كلها تقول أنا أكلت في الشغل.
ولم أعلم إلا لاحقا أن أكلت كانت تعني غالبا ما أكلتش.
الليلة التي استوعبت فيها الحقيقة كنت في الثانية والأربعين. كنت جالسة في مطعم راق وسط المدينة. زملائي يحتفلون بترقيتي. أمامي قطعة لحم ثمنها أغلى من موازنة بقالة أمي الأسبوعية قديما. ثم اهتز هاتفي على الطاولة.
على الشاشة ظهر MAPLE HILLS MEMORY CARE.
قالت الممرضة
الآنسة كارتر أمك خرجت من القاعة أثناء لعبة البنغو. إحدى المساعدات شافتها ماشية في اتجاه مطعم قديم كانت تتكلم عنه. حاجة اسمها Sunrise بيعني لك حاجة
كان يعني كل طفولتي.
تركت زملائي وسط الجملة أخذت معطفي وانطلقت بالسيارة. كانت المدينة تتغير كلما ابتعدت عن المركز اللامع. الأبراج الزجاجية صارت مباني طوب قديمة. المقاهي الحديثة تحولت لمحلات قروض يومية. الألوان الهادئة الحلزونية اختفت وحل مكانها نيون مكسور. لم أحتج ال يداي تذكران الطريق.
وظهر ذلك اللافتة كما عهدتها دائما
SUNRISE DIN R
حرف ال ما زال مطفأ.
في الداخل الكراسي الجلدية الحمراء متشققة لكن مألوفة. رائحة القهوة المحروقة وزيت القلي تملأ المكان.
بدت أصغر مما أتذكر. معطفها مزرر بطريقة خاطئة حقيبتها معقودة لصدرها وأمامها كومة صغيرة من العملات المعدنية. يقف نادل شاب بجوارها عيناه تحملان قلقا ناعما.
قال لها
آسف جدا يا مدام وجبة البرغر ب 99. لسه ناقص كام دولار.
أمي رفعت رأسها متشبثة بما لم تأخذه منها الخرف بعد كرامتها.
قالت له
بنتي جاية. هي لسه صغيرة وبتحتاج بطاطس زيادة. أنا بس هاشرب قهوة. أنا أكلت في اجتماع الشغل. أكلونا كتير.
هذه الجملة ضربتني كصفعة.
اجتماع الشغل.
سمعت هذه العبارة طوال حياتي. في هذا الكشك ذاته. فجأة عدت طفلة في الثامنة رجلاي تتأرجحان دون أن تلمسا الأرض. أبي رحل. صاحب البيت يطرق الباب يطالب بالإيجار. أمي تنظف غرف الم motels صباحا وتعمل نادلة هنا ليلا.
كل جمعة أخرى كانت تقول بابتسامة
يلا يا إيمي ناخد حاجة حلوة.
نجلس في هذا الركن. تدفع إلي القائمة.
اطلبي اللي انتي عايزاه.
كنت أطلب أكبر برغر وجبلا من البطاطس وشيكولاته بالحليب.
وانتي مش هتاكلي كنت أسأل والصلصة على وجهي.
كانت تمسك كوب القهوة القديم بكلتا يديها وتقول
لا يا حبيبتي أنا أكلت
كانت تقولها بنفس النبرة كل مرة.
ولم أشك فيها يوما.
لكن وأنا أقف الآن أمامها ببدلتي الفاخرة وحذائي اللامع رأيت ما تهربت من رؤيته طوال حياتي.
لم تكن هناك وجبات ضخمة مجانية في اجتماع الشغل لنادلة مثلها.
كان هناك وقت إضافي قهوة رخيصة وربما قطعة توست محترقة.
لسنوات كانت تراقبني وأنا آكل حتى التخمة بينما بطنها فارغ.
حولت جوعها إلى إحساس عندي بأنني طبيعية.
مسحت دموعي قبل أن أصل إليها.
قلت للنادل أنا هدفع. حط كل اللي هي عايزاه على فاتورتي.
هز رأسه شاكرا وابتعد.
رفعت أمي نظرها إلي عيناها غائمتان تحاولان التركيز.
إيمي قالت ببطء.
اتأخرتي. لازم تاكلي يا بنتي.
جلست أمامها.
عارفة يا ماما الشغل طول.
عندما عاد النادل لم أنظر حتى إلى القائمة.
هاتو وجبتين برغر. بطاطس زيادة. وشيكولاته اتنين.
لمست أصابعها معصمي. كانت بشرتها خفيفة كأوراق قديمة.
ماتصرفيش فلوسك علي همست.
قلتلك أكلت في الاجتماع. أكل كتير
أمسكت يدها بين يدي حتى لا تهرب.
عارفة يا ماما.
بس الليلة هتاكلي تاني.
معايا.
حين وصلت الأطباق نظرت أمي إلى
رفعت البرغر بكلتا يديها وأخذت قضمة.
ثم أخرى.
لم تأكل كمن يجامل بل كمن يسمح له أخيرا أن يكون صادقا.
نزلت الدهون على معصمها.
تلطخ ذقنها بالك.
أغمضت عينيها وأطلقت زفرة صغيرة مرتجفة زفرة تشبه الراحة.
لم ألمس طعامي.
كنت فقط أشاهدها وهي تملأ مساحة في نفسها كان يجب أن تملأ منذ زمن طويل.
منذ أن تركت هذا الحي أكلت في أماكن جميلة. جلست مع أناس يتحدثون عن الأسواق والانتخابات والمستقبل. تذوقت أطباقا تقدم كأنها فن.
لكن لم يكن أي منها مقدسا كما كان ذاك الطاولة الخشنة في مطعم متعب تحت لافتة مكسورة وأنا أشاهد أمي تأكل أخيرا الوجبة التي ادعت لسنوات أنها تناولتها.
لكن وأنا جالسة بجوارها أسمع صوت الأطباق وأصوات رضاها الخافتة تعلمت تعريفا آخر.
الحلم الحقيقي ليس المكتب الزاوية ولا المطعم الفاخر
الحلم هو أن تعود للشخص الذي جاع لأجلك
وتقول له وبطاقتك على الطاولة مسبقا
اطلب اللي نفسك فيه.
أنا معاك.
إن كان في حياتك شخص
دفع طبقه نحوك يوما كي تشعر بالشبع
لا تنتظر.
اتصل به.
اذهب إليه.
اجلس معه على أي طاولة.
اطلب البطاطس.
ودعه يأكل
إلى أن يشبع حقا.