بابا… بس ادّيهولي

لمحة نيوز

«بابا… بس ادّيهولي!»

تفجّرت الكلمات من فمي قبل أن أستطيع إيقافها. كانت عالية… حادة… جارحة. تجمّد الكاشير في مكانه، وتوقفت المرأة خلفي عن النقر على حقيبتها الفاخرة، وكأنّ طابور البقالة كلّه حبس أنفاسه دفعة واحدة.

كان والدي، آرثر، يقف هناك ويده ترتجف وهو يحاول فهم جهاز البطاقة الجديد. كان المشهد كأنني أشاهد شخصًا يحاول التعامل مع آلة غريبة من كوكب آخر. ظهر الارتباك أولًا في عينيه… ثم الألم… حين سحبت البطاقة من بين أصابعه.

قلت من بين أسناني، وأنا أدفع البطاقة بقسوة داخل الجهاز:
«عندي اجتماع بعد عشر دقايق. لازم نخلص.»

دفعت الحساب، خطفت الأكياس، وغادرت المتجر حتى دون أن أتأكد أنه يسير خلفي. انغلقت الأبواب الأوتوماتيكية بصوت يشبه التحذير.

في السيارة، جلست ابنتي البالغة تسع سنوات، ميا، في المقعد الخلفي، وجهها الصغير ملتصق

بالنافذة. كانت تراقبني بينما ألقي الأكياس في صندوق السيارة بعصبية. لم تكن غاضبة. ولم تكن حزينة.

كانت فقط… تتعلّم شيئًا.
وهذا ما أخافني.

كان الطريق إلى المنزل صامتًا. كان آرثر ينظر من النافذة إلى مطاعم الوجبات السريعة ومواقف السيارات الفارغة. هذا الرجل… هو الذي علّمني ركوب الدراجات، وكيف أصلح برغيًا مرتخيًا، وكيف أقف مستقيمًا عندما تثقلني الحياة. يداه أصلحت محرّكات لأربعين عامًا.

الآن… ترتجفان أمام جهاز بطاقة.

وأنا عاملته كأنه مشكلة بطيئة يجب التخلص منها. كأنه عقبة. كأن كِبر سنّه إزعاج… لا جزء طبيعي من الحياة.

أنا دائمًا أقول لميا أن تستخدم كلمات لطيفة. أن تحترم الآخرين. أن تتحلّى بالصبر.

لكن… ماذا أريتها اليوم؟

في ذاك الطابور، أريتها أن مواعيدي أهمّ من أبي. أريتها أن اللطف يذوب عندما ننشغل. أريتها أن الشيخوخة تُقابَل

بالنفاد صبر… لا بالرحمة.

الحياة لا تعاقبنا…
الحياة فقط تعيد لنا ما قدّمناه.

وفي تلك اللحظة، أدركت أنني أزرع دروسًا خاطئة في قلب ابنتي. وأنها تشاهد… مستعدة لتقليد كل حركة.

ذلك المساء، كنت أتعامل مع قفل الباب المتيبّس. قلت بضيق:
«القفل ده عمره ما بيشتغل!»

ومن الردهة، سمعت صوت ميا ينادي بنبرة حادة:
«بس ادّيهولي يا بابا!»

نفس النبرة التي استخدمتها أنا مع والدي.

هبط قلبي.

لم تكن تقصد الوقاحة. كانت فقط… تعيد ما رأت.
لم تتبع كلامي. اتبعت أفعالي.

فتحت الباب أخيرًا، تنفست بعمق، وانحنيت لمستواها.
«ميا… هو ده صوتي اللي سمعتيه في السوبرماركت؟»

نظرت للأرض وهمست:
«يمكن…»

احتضنتها.
«ما تكونيش زيي النهارده… كوني ألطف. وأحسن.»

في تلك الليلة، دخلت غرفة الضيوف. كان آرثر نائمًا، والتلفاز يعرض الأخبار بصوت منخفض. وجهه بدا مرهقًا…

ومسالمًا… وأكبر سنًا مما أتذكره.

فكرت في المستقبل.
سيأتي يوم ترتجف فيه يداي أنا.
سيأتي يوم أمشي فيه ببطء.
سيأتي يوم تكون ميا فيه منشغلة بحياتها… وأكون أنا الذي يحاول اللحاق بها.

لا أريد أن أكون الأب الذي يندم على حبّ لم يمنحه. ولا الصبر الذي لم يقدّمه.

سحبت الغطاء قليلًا لأدفئه. تحرك بصمت في نومه.

همست:
«تصبّح على خير يا بابا.»

في الصباح، استيقظت مبكرًا وألغيت اجتماعين.

طرقت بابه ومعي كوبان من القهوة:
«يا بابا… إيه رأيك تعلّمنا أنا وميا نرمي الحجارة على الميّة عند البحيرة؟ زي ما كنت بتعمل زمان.»

اتسعت عيناه دهشة… ثم ارتسمت ابتسامة هادئة على وجهه.

وفي المطبخ… قفزت ميا فرحًا.

نحن نظن دومًا أن الغد مضمون…
لكن الغد ليس وعدًا.

اليوم… ما زلت ابنًا.
وغدًا… سأكون أنا الرجل المسن ذو اليدين المرتجفتين.
لكن اليوم… يمكنني

أن أقدّم لطفًا.
اليوم… يمكنني أن أعلّم ابنتي درسًا أفضل.

وأنا… سأغتنم هذه الفرصة

تم نسخ الرابط