عذرًا، سيدي
— عذرًا، سيدي…
هل تعرف أين يمكنني أن أركب القطار لأذهب إلى عالم أفضل؟
رفع الرجل نظره ببطء.
يداه متعبتان، وعيناه مليئتان بالزمن.
لم يكن العجوز مجرد رجل يبيع تذاكر أو يجلس انتظارًا لشيء لا يأتي، بل كان كأنما يحمل على كتفيه بقايا حياة كاملة.
— عالم أفضل؟
قالها وكأن الكلمة أرهقته قبل أن ينطق بها.
— وما نوع هذا العالم، يا صغيرتي؟
تمسكت الفتاة بالحصيرة الصغيرة التي كانت تضمّها إلى صدرها،
كما لو كانت تحمي شيئًا هشًّا، سرًّا صغيرًا لا يليق بهذا العالم.
أجابت بصوت خافت، خجول كنسيم يمرّ في ممرّ مهجور:
— العالم الذي كانت جدتي تخبرني عنه.
عالم ما زال الناس فيه يملكون قلبًا.
حيث السماء مليئة بالطيور، لا بالهوائيات.
حيث يضحك الناس بلا أقنعة ويحبون بلا وجوه مزيفة.
حيث الأصدقاء لا يختفون عندما تحتاج إليهم حقًا…
بل يظهرون. دائمًا.
تنهد الرجل العجوز، تلك التنهدة التي لا تأتي من رئتين، بل من روحٍ سكنت طويلاً في صمت الزمن.
ثم ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة المرة التي يمتلكها من يعرف… من جرّب كل الطرق المؤدية للحقيقة.
مدّ يده المرتجفة، ووضعها بلطف على كتف الفتاة:
— ذلك القطار، يا عزيزتي… لم يعد يمر من
كانت رحلته الأخيرة في قلب جدتك.
لكن، هل تعلمين شيئًا؟
ربما لم يختفِ أبدًا حقًا.
ربما ينتظر فقط شخصًا… شخصًا مثلك،
ليعيد توصيل القضبان من جديد.
لأن أحيانًا، العوالم الأفضل لا تُفقد.
هي فقط تغفو.
وكل ما تحتاجه هو روح طيبة… لتوقظها مرة أخرى.
لم تفهم الفتاة المعنى كله، لكنها شعرت بشيء في صدرها يتحرك، كضوء صغير يُشعل نفسه دون سبب.
سألته:
— أيعني هذا أن القطار موجود؟
— موجود، ولكن ليس بالطريقة التي تعتقدينها.
ثم أشار بيده إلى الساحة الفارغة خلف المحطة القديمة.
أرض متشققة، أعشاب جافة، ومسارات حديدية مكسورة تمتد كذكرى لا تزال تقاوم النسيان.
قال الرجل:
— هذه كانت آخر محطة. هنا ودّعت جدتك العالم الذي أحبّته. كانت آخر من حاول أن يُبقيه حيًّا.
هزّت الفتاة رأسها بخيبة:
— لكنني أردت فقط… أن أراه. أن أذهب إليه.
ابتسم العجوز ببطء:
— أحيانًا يا صغيرتي، لا نذهب إلى العوالم الأفضل… بل نصنعها.
جلست الفتاة على الحصيرة التي تمسكها بإصرار.
كانت تلك الحصيرة آخر ما تركته لها جدتها.
منسوجة بخيوط صوفية باهتة، لكنها دافئة بشكل غريب، كأنها تحمل شيئًا من نبض امرأة كانت تؤمن بالعالم الجميل حتى آخر
سألت الرجل:
— هل عرفت جدتي؟
— عرفتها… كما يعرف المسافر محطة يعود إليها دائمًا مهما تغيّرت الطرق.
كانت تأتي إلى هنا كل فجر، تجلس حيث تجلسين أنتِ الآن، وتحدّثني عن ذلك العالم نفسه.
عن السماء التي تريدها بلا أسلاك،
والوجوه التي تريدها صادقة،
والقلب الذي لم تتوقف عن اعتباره قطارًا لا يتعب من الوصول.
صمت قليلًا، ثم أضاف:
— كانت آخر من رأى القطار.
اتسعت عينا الفتاة:
— آخر من رآه؟ كيف؟
— في ليلة باردة، قبل سنوات كثيرة. كنتُ هنا، وكانت السماء غائمة.
قالت لي بصوت ثابت: "سيعود الليلة".
لم أصدّقها… لكنني بقيت احترامًا لإيمانها الغريب.
وفجأة…
ظهر الضوء.
لم تعرف الفتاة هل يبالغ أم يقول الحقيقة، لكن صوته كان ينساب كذكرى صادقة.
— لم يكن ضوءًا عاديًا، بل وهجًا جميلًا… دافئًا… كأن السماء نفسها فتحت نافذة صغيرة وقالت: "ما زلت هنا".
ومرّ صوت القطار… لا عجلات ولا بخار، فقط دويّ يشبه نبض قلبٍ كبير يعود للحياة.
وقالت لي جدتك يومها:
"كل من يحتفظ بطفولته سيراه. كل من لم يطفئ قلبه سيسمعه."
سكت العجوز، ثم تابع:
— وفي تلك الليلة… كانت رحلته الأخيرة. أو هكذا اعتقدتُ.
وضعت الفتاة يدها على الحصيرة وشعرت
كأن شيئًا بداخلها بدأ يصدق، رغم أن عقلها الصغير لم يملك أي دليل.
قالت:
— وإن حاولتُ أن أوقظه؟
ابتسم الرجل:
— لهذا أنت هنا.
— لكنني لا أعرف كيف.
— بالعالم الذي تحملينه.
العالم الذي تتخيلينه، الذي ترفضين أن يخنقه الكبار بقسوتهم.
العالم الذي كانت جدتك تتشبث به في آخر أيامها.
ذلك العالم… هو الخطوة الأولى.
ترددت الفتاة وسألته:
— وماذا لو فشلت؟
— من لا يحاول… هو الفاشل الوحيد.
نهضت الفتاة واقتربت من القضبان المكسورة.
وضعت يدها الصغيرة على الحديد البارد.
أغمضت عينيها.
تذكرت ضحكة جدتها، حكاياتها، دفء يديها، الكلمات التي كانت ترددها كل ليلة قبل النوم:
"العالم لا يتغير بالسحر يا صغيرتي… بل بمن يرفضون أن يصبحوا جزءًا من القبح."
فتحَت الفتاة عينيها، وقالت للعجوز:
— أريد أن أبدأ.
— إذن، ابدئي من هنا.
من هذه اللحظة.
من قضيب واحد.
من خطوة صغيرة.
من قلب لا يزال يؤمن.
وبينما كانت الفتاة تُمسك طرف القضيب الصدئ، شعرت بشيء غريب.
كأن الأرض نفسها تستيقظ تحت قدميها.
كأن الهواء أصبح أخف، والسماء أقل رمادية.
كأن المكان كله ينتظرها…
تمامًا كما قال الرجل.
وقبل أن تلتفت إليه لتسأله عمّا يحدث—
اختفى
اختفى بصمتٍ كامل،
لا أثر،
لا صوت،
لا ظلّ.
وكأن القطار الذي كانت تبحث عنه…
أخذ أول راكب له.