الملياردير الذي ركع في الشارع لأجل أمّه
بائعة طعام فقيرة أطعمت أرملة مشردة كل يوم وفي يوم ما جاء ملياردير يبحث عنها
اهتز هدير المحركات العالية فوق تراب شارع بورت هاركورت المغبر قبل أن يرى أحد السيارات.
الزبائن الجالسون تحت مظلة أمارة القديمة بدأوا يلتفتون نحو الطريق في حيرة.
فجأة بدا أن الطاولات الخشبية والكراسي البلاستيكية ودخان الفحم المتصاعد من الموقد الصغير كلها أشياء ضئيلة وعادية جدا أمام ما هو قادم.
توقفت جيسيكا ابنة أمارة المراهقة في منتصف الخطوة وهي تحمل طبقا في يدها.
حتى ماما هنا التي كانت في منتصف طبق الجولوف رايس واللحم الذي اعتادت أن تأكله كل يوم تجمدت وملعقتها مرفوعة في الهواء.
ثلاث سيارات رباعية الدفع سوداء لامعة وطويلة زحفت داخل الحارة الضيقة كأنها ملوك تاهوا عن طريقهم.
وقف الناس عن كراسيهم.
همس بعضهم
سيارات من هذه هل هو سياسي هل هناك مشكلة
توقفت السيارات أمام كشك أمارة الصغير على جانب الطريق
ذلك الكشك نفسه المبني من طاولة خشبية وبرادين كبيرين ومظلة ممزقة ترفرف مع الريح.
كاد قلب أمارة أن يتوقف.
يداها الملطختان بصلصة الطهي والزيت أمسكتا بملعقة التقديم الكبيرة بقوة.
لم يسبق لها أن رأت سيارات بهذه الفخامة تقف بهذا القرب.
وبالتأكيد ليس من أجلها.
فتح باب السيارة الأولى.
نزل رجل طويل أسمر البشرة يبدو وكأن المال صنع منه.
بدلة كحلية نظيفة حذاء لامع وساعة في معصمه تلمع كالألماس.
خلفه نزل حارسان بملامح صارمة يجولان بنظراتهما حول المكان كما لو كانا يحميان رئيس دولة.
لم ينظر الرجل إلى اليسار ولم ينظر إلى اليمين
سار مباشرة نحو كشك أمارة الصغير مباشرة نحوها.
حبس الحي كله أنفاسه.
همست جيسيكا
مامي هو هو جاي لعندنا.
شعرت أمارة أن ركبتيها تضعفان.
شرارات غريبة راقصت صدرها.
مسحت يديها سريعا بمئزرها لكن بقع الصلصة رفضت أن تختفي.
توقف الرجل أمامها تماما.
كانت عيناه دافئتين غريبتي اللمعان تحملان مشاعر يصعب فهمها.
تنحنح مرة واحدة وقال
مساء الخير.
لم تستطع أمارة أن تنطق.
اكتفت بهز رأسها وكأن شفتيها التصقتا ببعضهما.
تابع قائلا
من فضلكم من هي أمارة صاحبة هذا المكان
سكت كل شيء حولهم حتى البرادات بدت بلا صوت.
وقع طبق ما خلفهم وتهشم على الأرض.
ببطء وبأصابع ترتجف رفعت أمارة يدها
أ أنا أنا أمارة.
زفر الرجل زفرة
ثم قال الكلمات التي جعلت عالم أمارة يميل
شكرا لأنك آويت أمي ولأنك كنت تطعمينها كل يوم.
امتلأ الشارع كله بالشهقات كأن موجة صوتية ضربت المكان.
ماما أم من همس أحدهم.
رمشت أمارة سريعا وهي تلهث
أمك من من هي أمك
قبل أن يجيب الرجل جاءهم صوت مبحوح متكسر من خلف أمارة
من فضلك من هي أمك
استدار الجميع.
إنها ماما هنا.
كانت يداها ترتجفان وطبقها يكاد يفلت من بين أصابعها.
عيناها واسعتان خائفتان تلمعان بالدموع.
سقطت قطعة القماش من يد جيسيكا كأن قوتها تبخرت فجأة. التفت الملياردير ببطء شديد كمن يواجه طيفا عاد من بين الغياب وتركزت نظراته في عيني هانا دون أن يرمش. وفي تلك اللحظة خيل للجميع أن الزمن توقف والهواء نفسه امتنع عن الحركة.
اقترب خطوة ثم أخرى حتى وصل أمام المطعم الصغير القابع على الطريق الترابي في بورت هاركورت وهناك انحنى على ركبته دون تردد.
ركع أمام الأرملة التي طالما عبرت بين الناس بلا أن يلتفت إليها أحد.
ركع والدموع تهطل على وجهه بلا خجل.
ماما صوته انكسر وكأنه يصارع سنوات كاملة في جملة واحدة.
أنا لم أمت لقد نجوت.
لو انشقت السماء بصاعقة لما أثارت ضجة كهذه.
تصاعدت شهقات الناس صرخت امرأة تساءل أحدهم بصوت متلعثم
هل ما نراه حقيقي
غطت جيسيكا فمها بيديها وأمارا وقفت متسمرة بينما تراجعت ماما هانا خطوة إلى الخلف ووضعت كفيها المرتجفتين على صدرها.
نجوت همست بالكاد.
يا ابني يا جاري انكسر صوتها وخانتها ركبتاها فتشوش بصرها ثم هوت على الأرض قبل أن يصل إليها أحد.
تدافع الجميع وصاحت أمارا
ماما هانا!
اندفعت جيسيكا وتحرك الحراس لكن جيري سبق الجميع واحتضن أمه قبل أن تمس الأرض.
أمي أمي أرجوك استيقظي أرجوك.
وبين ازدحام الوجوه المذهولة وتجمد أمارا في مكانها وبكاء جيسيكا لم يدرك أحد أن هذه اللحظة ستقلب حياة كل من شهدها رأسا على عقب.
خيم صمت عجيب على الحي.
تجمع الناس حول المطعم كأن معجزة انبثقت للتو من التراب.
المظلة الممزقة ترفرف بضعف ورائحة الأرز المختلط بالغبار تملأ الجو والملياردير يجثو محتضنا أمه التي فقدت وعيها.
من فضلكم افسحوا الطريق قال جيري بصوت مرتجف.
جثت جيسيكا قرب هانا ويديها لا تتوقفان عن الارتعاش.
ماما ماما هانا افتحي عينيك أرجوك.
أما أمارا فوضعت يدها على صدرها
قال جيري وهو يبحث بنظره بلهفة
هل من ماء أي شيء بارد
أسرعت أمارا إلى المبرد وسلمته قارورة ماء فصب منها على وجه أمه بلطف شديد.
لثوان لم يتحرك شيء.
ثم بدأت جفون هانا ترتجف وخرج نفس خافت من بين شفتيها.
جيري همست بحشرجة.
نعم يا ماما أنا هنا.
مدت يدا مرتجفة ولمست خده كمن يختبر حقيقة طال انتظارها.
أنت حي
امتلأت عينا جيري دموعا.
نعم يا ماما نجوت. تأخرت كثيرا أعلم سامحيني.
تشبثت بذراعه وكأنها تخاف أن يختفي مرة أخرى.
بكى البعض حولهم وتنهدت جيسيكا بصوت مرتفع حتى الحارس على اليمين مسح عينه خلسة.
وقفت أمارا في الخلف تشعر بثقل الكلمات. في صوت جيري شيء ينكسر وفي عينيه ذاكرة دامية لم ترو بعد.
بعد أن جلست ماما هانا على كرسي ووقف الحراس حولها قال جيري بهدوء
ماما ظننت أنني رحلت لكنهم وجدوني. وأخبرني أحدهم أنك على قيد الحياة.
مسحت هانا وجهها بظهر يدها.
لكن لقد دفنا تابوتا فارغا. قالوا إنكما أنت وأباك رحلتما.
خفض جيري رأسه وصوته هبط.
يجب أن أخبرك بكل شيء.
سكن الشارع لدرجة بدا فيها أن الريح حبست أنفاسها.
منذ عشرين سنة تتذكرين حين سافرنا إلى لاغوس لشراء البضائع
هزت رأسها.
لم نصل. هاجمنا مسلحون.
خاطفون تمتم أحد الواقفين.
أطلقوا النار على أبي أولا. مات فورا. ثم أطلقوا النار علي. تركونا على الطريق يظنون أننا فارقنا الحياة.
صرخت هانا وبكت بحرقة بينما تابع جيري
وجدني رجل طيب نقلني إلى المستشفى. فقدت الكثير من الدم وفقدت الذاكرة. لم أعرف اسمي ولا مدينتي ولا أن لي أما تنتظر.
رفع عينيه نحو أمارا التي شهقت بصوت خافت.
ثم تبناني رجل آخر. منحني اسمه وبيته وحياته. قالوا لي إنني وحيد بلا أهل.
انحنت هانا على يد ابنها تبكي حتى اهتز جسدها. قبض جيري على أصابعها بحنان.
ومع الوقت بدأت الذكريات تعود كظلال. سوق أبي صوتك وأنت تغنين لكن ليس بما يكفي لأعرف الطريق إليك.
سألت جيسيكا بصوت منخفض
فكيف عرفت أنها على قيد الحياة
التفت إليها جيري
في مشروع بورت هاركورت عرفني رجل مسن. قال إنه رأى امرأة تشبه والدي الراحل تماما اسمها هانا.
ارتجفت شفتا الأم. كان البكاء ينهش صوتها.
بحثت عنها في كل مكان ثم علمت أنها كانت تأتي إلى هنا وأنك يا
اختنق صوت أمارا.
وقف جيري أمامها مباشرة وقال بلين عميق
يا أمارا أنت لم تعرفي من تكون ومع ذلك أطعمتيها وأكرمتها واعتبرتيها من أهلك. لقد أنقذت حياة أمي دون أن تعرفي.
اغرورقت عينا أمارا وأمسكت جيسيكا بيد أمها بخوف.
وضع جيري يده على صدره وقال
قلبي ممتن لك وسأرد لك هذا الجميل مهما كلفني الأمر.
لكن فجأة دوى صوت مرعب مزق اللحظة
ماما هانا! تمسكي!
استدار الجميع.
كانت هانا تضغط على صدرها وتنفسها يختنق. ترنحت وسقطت بقوة.
صرخ جيري
ماما!
تدافع الحراس وبكت جيسيكا
لا! لا أريد أن تفقدي الوعي ثانية!
سقطت هانا تحت المظلة القديمة ورائحة المرق والدخان تمتزج بالغبار وكأن المشهد كله يهتز.
لا تتنفس! صرخت جيسيكا.
يا إلهي ساعدوها! صاحت أمارا.
حملها جيري رأسها يتدلى وجسدها خفيف كأنها أصبحت ظلا.
اتصلوا بالإسعاف! صاح بصوته المبحوح.
الفريق الطبي على بعد دقيقتين سيدي قال أحد الحراس.
تجمع الحي كله. ترك الناس أطباقهم خرج ميكانيكي بيدين مغطاتين بالزيت توقف الأطفال عن اللعب وكأن المدينة كلها تجمدت.
ثم بدأت صفارة إسعاف تشق الهواء.
توقف القلب الجماعي للشارع.
قفز المسعفون ورفعوا هانا وضعوا الأكسجين ضغطوا على صدرها.
ماما! هل ستموت صاحت جيسيكا.
احتضنتها أمارا وقالت
لا لن يحدث لن يحدث بإذن الله.
لكن صوتها كان مرتعشا.
التفت جيري إليهما
تعاليا معنا رجاء.
لكن لسنا من العائلة قالت أمارا.
هز رأسه
من يطعم أمي فهو من عائلتي.
سقطت الكلمات على قلبها كدفء لم تعرفه من قبل.
أدخل المسعفون هانا إلى سيارة الإسعاف وصعد جيري ثم مد يده لأمارا
اصعدي. لن أتركك هنا.
قاد الحراس أمارا وجيسيكا إلى السيارة المرافقة.
كان الناس يصرخون من الخلف
أمارا! هل كل شيء بخير اتصلي بنا!
لكنها لم تسمع شيئا سوى دقات قلبها.
همست جيسيكا وهي تمسك يد أمها
ماما أنا خائفة.
فانحنت أمارا عليها وقالت
وأنا أيضا لكننا سنكون بخير.
تحركت القافلة أخيرا. شقت سيارة الإسعاف الطريق في المقدمة وصفارتها تمزق ضجيج المدينة كالسهم تتبعها ثلاث سيارات سوداء تسير بمحاذاتها كأنها ظل ثقيل لا يفارقها.
توقف المارة مذهولين وانحرفت الدراجات إلى أطراف الشارع ولوح رجال المرور بأيديهم تحية للموكب السريع.
ألصقت جيسيكا وجهها بزجاج النافذة وهمست بصوت
أمي هل نحن نحلم
هزت أمارا رأسها برفق
لا يا صغيرتي هذه الحياة تكشف لنا ما لم نتوقع رؤيته يوما.
لم تستغرق الرحلة طويلا لكنها بدت أبدية لأمارا. وما إن وصلت القافلة