بعـد أن طـرق جـاري بـابـي فـي الـخـامسة صبـاحًا وقـال لـي بلهـجة مـلحّة متـروحـيش الشـغل النهـارده صـدقينـي
كـنتُ مشـوَّشة وخـايفة شـوية. لـيه يـحذّرني كـده؟
وبـحلول الظـهر، ظـهرت الحقـيقة الصـادمة وراء كلامـه
وتغـيّر كـل شـيء.......!!!!
عند الساعة 5:03 صباحًا، لم يكن الطرق على الباب مهذبًا… بل كان من النوع الذي يجعل جسدك ينتفض قبل أن يستوعب عقلك ما يحدث.
تعثّرتُ وأنا أمشي نحو الباب بملابس النوم، ويدي على السلسلة المعدنية. ومن خلال ثقب الباب رأيت جاري، غراهام، واقفًا على الشرفة
يرتدي سويت شيرت مجعّدة، وشعره مبلول كأنه خرج من الحمّام مسرعًا. كانت عيناه واسعتين، لامعتين، تتحركان بقلق نحو الشارع خلفه.
فتحتُ الباب مسافة صغيرة تكفي للكلام وقلت:
"غراهام؟ في إيه؟"
اقترب قليلًا، وصوته كان منخفض وملهوف:
"متروحيش الشغل النهارده… بالله عليكي. صدقيني."
انقبضت معدتي.
"إيه؟ ليه بتقول كده؟"
قاطَعني بسرعة، يكاد يتوسل:
"أرجوكي… اعتذري وقولي إنك تعبانة. بس ما تخرجيش من البيت… مش الصبح ده."
شعرت بخيط بارد من الخوف ينساب في ظهري.
"في حاجة حصلت؟ في حد برّه؟"
هزّ رأسه بسرعة:
"مقدرش أشرح هنا…"
ثم همس:
"بس… ما تروحيش."
حدّقتُ فيه وأنا أحاول أفهم سبب الذعر اللي كان باين عليه. غراهام مش من النوع اللي يهوّل. إحنا بقالنا سنتين جيران، علاقتنا سلام وإشارات بسيطة.
عمره ما ظهر عند بابي الفجر كده… وشكله شايف كابوس على الحقيقة.
قلت له تلقائيًا، وكأني متمسكة بآخر خيط من المنطق:
"أنا بشتغل في
شدّ فكه وقال هامسًا:
"علشان كده… خصوصًا إنتي."
توقفت أنفاسي.
"خصوصًا أنا؟!"
هزّ رأسه بقوة:
"أيوه… ما تروحيش الشغل. ولو حد اتصل يطلب منك تيجي… ما تردّيش."
ثم تراجع خطوة للخلف كأنه طول الوقت واقف زيادة، ومشي من على الشرفة من غير كلمة زيادة.
وقفت شوية والباب لسه مقفول بالسلسلة. قلبي بيخبط.
أول فكرة جتلي إنه يمكن بيتوهم… يمكن فاكرني حد تاني.
لكن الشارع كان هادي… هادي زيادة.
وغراهام كان شكله مرعوب.
اتصلت بمديرتي مارلا، وقلت بنبرة عادية قد ما أقدر:
"أنا تعبانة شوية… هاخد يوم إجازة."
تنهدت مارلا بضيق لكنها ما شكّت في حاجة:
"ماشي… خدي بالك من نفسك. إحنا مضغوطين قوي النهارده."
قضيت الساعات اللي بعدها وأنا بحاول أقنع نفسي إن ده قرار عادي.
لكنني فضلت أبص من ورا الستارة.
وأبص على موبايلي.
وأقول لنفسي إن غراهام بس بيتصرف بغرابة… وخلاص.
9:17 صباحًا
رقم غريب بيتصل.
ما رديتش.
10:02 صباحًا
رقم مجهول تاني.
برضه ما رديتش.
وبحلول 11:30 كنت ماشية رايحة جاية في المطبخ، القهوة ساقعة ومحدش مدّ إيده لها، وقلقي بيزيد. كنت خلاص هبعت لغراهام رسالة وأسأله: إيه اللي بيحصل؟
لكن موبايلي نور بتنبيه إخباري عاجل.
"عاجل: تحقيق نشط بالقرب من محكمة المدينة…"
أنا.
شغّلتُ التلفاز ويدي ترتجف كأنها فقدت الذاكرة عن الهدوء. ظهرت لقطات حيّة: سيارات شرطة مصطفّة، شريط أصفر يشق الهواء، وفرقة متفجرات
قالت المذيعة:
"يُشتبه بوجود جهاز في مواقف الموظفين."
سقطتُ على الكرسي وكأن الأرض انسحبت من تحتي.
"مواقف الموظفين."
هناك أركن يوميًا… عند 7:22 صباحًا بالضبط.
رنّ الهاتف—هذه المرة مشرفتي:
"إنتي في البيت؟"
"أيوه… إيه اللي بيحصل؟"
تنهّدت تنفّسًا يعرف كل الأسرار:
"لقوا حاجة تحت مكان ركنتك… ومعاها ورقة باسمك."
ابتلعت ريقي بصعوبة:
"الورقة قالت إيه؟"
خفضت صوتها كأنها تخشى أن يسمعها أحد:
"هي ماينفعش تشهد."
ارتجفت أصابعي.
كلمة "تشهد" وحدها رجّعت كل شيء مكانه.
أنا كنت منسّقة الشهود في قضية ثقيلة… قضية اللي يقرب منها بيتحرق. قبل أسبوعين لقيت "تصحيح سجل زيارات" مش مريح… وقدّمت بلاغ رسمي.
أغلقت الهاتف واتصلت بغراهام.
لا رد.
أرسلت رسالة:
"إنت تعرف إيه؟"
لا رد.
وفي 11:58، ظهرت سيارة داكنة تتوقف قدّام بيتي. قلبي خبط في ضلوعي.
ثم… طرقات.
هادية. محسوبة.
ثلاث طرقات.
وصوت رجل:
"مدام… أنا المحقق ريفاس. محتاج أكلمك."
لكن عقلي كان أسرع من قلبي:
"وإزاي أعرف إنه محقق بجد؟"
اهتز هاتفي—رسالة من غراهام:
"أوعي تفتحي. هما لحقوني."
وتجمّدت.
الرجل برا الباب قال:
"افتحي من فضلك… دا لمصلحتك."
لكن من ناحية النافذة… سمعت همسًا آخر:
"البيت الغلط."
دمّي تجمّد.
اتصلت بـ911 وقلبي بيخبط بسرعة مش طبيعية.
قلت للمشغّلة إن في حد واقف على بابي وبيمثل إنه شرطي.
سألتني: "في حدّ مرسل لك؟"
قلت: "اسألي… لأنّي في خطر
وبينما هي على الخط، وصلتني رسالة من مشرفتي:
"الشرطة بتقول مافيش حد رايحلك. أوعي تفتحي."
اتسارعت أنفاسي.
ثم سمعت صوت الرجل خارج الباب:
"إحنا نقدر نعمل ده بطريقة سهلة… أو صعبة."
وبعدها محاولة لفتح الباب.
لكن قبل ما يحاول يقتحمه… صفارات الشرطة شقّت الشارع. أصوات صراخ. اشتباك. سقوط. فوضى.
ثم صوت واضح جوّا البيت:
"مدام؟ أنا الضابطة نغوين. الوضع آمن."
خرجت… لقيت رجلاً مكبّلًا على العشب.
سألت بصوت مكسور:
"جاري… غراهام؟"
أشارت للبيت المقابل.
كان واقفًا، لونه باهت، محاطًا بالشرطة. بصّ لي وقال من غير صوت:
"آسف."
دخل المحقق ريفاس الحقيقي. شرح أن الجهاز كان حقيقي… وأن الهدف كان أنا… وأن غراهام هو اللي أنقذني باتصاله.
أدخلوا غراهام. شكله كان مرعوب.
قال وهو مش قادر يبص في عيني:
"مكنتش عايزِك تكرهيني."
قلت:
"ليه أكرهك؟ إنت أنقذت حياتي."
رفع رأسه… لأول مرة.
"عشان… الصوت اللي كان برا… مش غريب عليّ."
سكتّ تمامًا.
سأله ريفاس:
"تعرفه منين؟"
بلع لسانه وقال:
"من أخويا."
تجمّد كل الموجودين.
كشف إن أخوه مرتبط بالمقاول اللي في قلب القضية… وإنهم قرروا "يسكتوني" بعد بلاغي عن سجل الزيارات.
كانوا عايزين ينهوا وجودي.
وأنا أستعد أروح مكان آمن… وصلني بريد جديد:
"اقعدي في البيت بكرة برضه."
برد تعدّى العظم.
قال ريفاس:
"هما بيحاولوا يرهبوكي… بس مش هينجحوا."
وعند باب البيت، شفته—الرجل المقبوض عليه—ينظر لي…
ثم
ابتسامة باردة… طويلة… كأن اللي حصل مجرد افتتاحية.
وفي اللحظة دي بس، فهمت الحقيقة:
هم ماكانوش عايزين يقتلوني وبس…
كان اسمي مُعلّم عليه… ضمن قائمة.