أصلح سيارة سيدة مسنة مجانًا

لمحة نيوز

طرده لأنه أصلح سيارة سيدة عجوز مجانا. وبعد أيام اكتشف من كانت تلك السيدة
لم يكن تركي الشمري يتوقع أن فعلا بسيطا نابعا من قلبه سيكون الشرارة التي ستقلب حياته رأسا على عقب. كان يعمل ميكانيكيا في ورشة معروفة في أحد أحياء الرياض يباشر عمله بصمت ويؤدي مهامه بدقة دون أن يلفت الأنظار أو يطلب الشكر. لم يكن يرى في عمله مجرد مصدر رزق بل حرفة تعلم فيها الصبر واحترام الناس والإخلاص لما بين يديه.
في ذلك اليوم كانت الورشة تعج بالسيارات وأصوات المحركات تختلط بنداءات العمال. وبينما كان تركي منهمكا في إصلاح مركبة حديثة توقفت عند المدخل سيارة قديمة بالكاد حافظت على توازنها. نزلت منها سيدة مسنة يعلو وجهها إرهاق السنين وتتحرك بخطوات بطيئة كأنها تخشى أن تخذلها قدماها.
تقدمت إلى الداخل ونظرت حولها بتردد قبل أن تسأل بصوت خافت إن كان أحد يستطيع مساعدتها. اقترب منها تركي وأصغى إلى شكواها بصبر. أخبرته أن سيارتها تعطلت في الطريق

وأنها لا تعرف الكثير عن الأعطال ولا تملك مالا يكفي لإصلاح كبير.
قاد تركي السيارة إلى الداخل وبدأ بفحصها بعناية. لم يستغرق الأمر وقتا طويلا حتى اكتشف أن المشكلة بسيطة لا تحتاج إلا إلى تعديل سريع في أحد الأجزاء. أخرج أدواته وأنهى العمل خلال دقائق ثم شغل المحرك فعاد إلى العمل بسلاسة.
عندما انتهى نظرت السيدة إليه بارتياح وفتحت حقيبتها لتخرج ما تيسر من المال. كانت يدها ترتجف وكأنها تخشى أن يكون المبلغ غير كاف. لكن تركي ابتسم بهدوء وأعاد يدها إلى حقيبتها قائلا
لا تقلقي يا خالة الأمر بسيط ولا يستحق مقابلا.
تجمدت السيدة في مكانها ونظرت إليه طويلا نظرة لم تكن عادية وكأنها تحاول أن تحفظ ملامحه. شكرته بصوت دافئ ودعت له ثم غادرت المكان ببطء بينما بقي تركي يراقب سيارتها حتى اختفت عن الأنظار.
غير أن ما لم يكن يعلمه أن ذلك المشهد لم يمر دون مراقبة.
كان صاحب الورشة يقف غير بعيد وقد رأى كل شيء. استدعى تركي إلى مكتبه بعد
وقت قصير وسأله بلهجة صارمة عن سبب عدم تسجيل الفاتورة. حاول تركي أن يشرح أن العطل كان بسيطا وأن السيدة مسنة ولا تملك المال لكن الكلمات اصطدمت بجدار من القوانين الجافة.
قال له المدير ببرود
الورشة لها نظام وما فعلته مخالفة صريحة.
لم يمنح تركي فرصة أخرى. صدر القرار سريعا الفصل الفوري من العمل.
خرج تركي من المكتب مذهولا. لم يكن يتوقع أن يعاقب على ما اعتبره واجبا إنسانيا. جمع أدواته في صمت وودع زملاءه بنظرات حزينة ثم غادر المكان الذي قضى فيه سنوات من عمره.
في تلك الليلة جلس وحيدا في غرفته المتواضعة يفكر في مستقبله المجهول. لم يندم على ما فعله لكنه شعر بثقل المسؤولية وبالخوف من الأيام القادمة. كان يعلم أن الحياة لا ترحم العاطلين وأن الطريق لن يكون سهلا.
ومع ذلك لم يكن يدري أن تلك السيدة المسنة لم تكن مجرد امرأة تعطلت سيارتها صدفة.
ولم يكن يعلم أن ما اعتبره خسارة قاسية
كان في الحقيقة بداية كشف سيغير مجرى حياته
بالكامل.
وأن الأيام القادمة
ستحمل له الحقيقة التي لم تخطر له على بال.
مرت الأيام على تركي الشمري بطيئة ثقيلة كأن الزمن تعمد أن يختبر صبره قطعة قطعة. لم يكن الفقر هو ما أخافه فقد اعتاده منذ صغره وإنما كان الشعور بالظلم هو ما أثقل صدره. كل صباح كان يخرج باكرا يحمل ملف أوراقه ويطوف على الورش واحدا تلو الآخر يسمع الاعتذار ذاته بعبارات مختلفة حتى باتت الكلمات تتشابه في أذنه كصوت واحد لا ينتهي.
كان يعلم في قرارة نفسه أن خبر فصله قد سبقه وأن البعض لم ينظر إلى القصة كاملة بل اكتفى بالحكم السريع
ميكانيكي خالف النظام.
وفي ليال كثيرة كان يجلس وحيدا في غرفته الضيقة يتأمل يديه الخشنتين ويتساءل إن كان الخير الذي فعله يستحق كل هذا العناء. ومع ذلك لم يتسلل الندم إلى قلبه. كان يشعر بحزن صامت لا بندم ولا غضب وكأن داخله يقينا خفيا يخبره أن ما حدث لم يكن نهاية الطريق.
وذات مساء هادئ بينما كان يحتسي قهوته في مقهى شعبي اعتاد
الجلوس فيه رن هاتفه برقم لم
تم نسخ الرابط