حين وقف المليونير على العشب… ومعجزة وُلِدت من دعاء طفل
كان فرناندو فارغاس يملك كل شيء أو هكذا كانت تقول مجلات الأعمال ..لم يكن اسم فرناندو فارغاس مجرد اسم عابر في صفحات الاقتصاد بل كان عنوانا ثابتا للنجاح كما تحب الصحف أن تسميه. رجل لم يبلغ الثالثة والثلاثين بعد ومع ذلك امتدت إمبراطوريته العقارية كظل ثقيل فوق قلب مدينة مكسيكو. ناطحات سحاب تلمع واجهاتها الزجاجية في شارع ريفورما ومجمعات تجارية عملاقة في غوادالاخارا وأرقام مصرفية صامتة في بنوك أوروبية لا تعرف الرحمة ولا العاطفة.
كان يملك كل شيء أو هكذا بدا للجميع.
لكن الحقيقة التي لم تكتبها أي مجلة أن فرناندو كان مستعدا في تلك اللحظة أن يحرق كل ذلك المجد أن يتخلى عن كل رقم وكل عقد وكل مفتاح سيارة فاخرة مقابل أمر واحد فقط
أن يشعر بقدميه فوق العشب.
قبل عامين فقط كان يقود سيارته الرياضية بسرعة زائدة هاربا من فراغ داخلي لم يكن يعترف بوجوده. اصطدام واحد صوت معدن يتكسر وضوء أبيض ابتلع وعيه. وعندما عاد إلى الحياة لم تعد الحياة كما كانت.
قال له أفضل جراحي الأعصاب إن الإصابة كاملة. النخاع الشوكي تضرر بلا رجعة. حكم نهائي لا يقبل الاستئناف.
أكد أطباء آخرون في قارات مختلفة الحكم ذاته.
لا شفاء.
لا أمل.
منذ تلك اللحظة لم يعد فرناندو الرجل ذاته. تحول القصر الفخم في حي لوماس دي تشابولتيبيك إلى سجن أنيق. رخام بارد جدران عالية وحدائق مصممة بدقة تخلو من أي معنى. طرد أصدقاءه واحدا تلو الآخر وأبعد عائلته وقطع آخر الخيوط التي تربطه بالعالم.
كان المال قادرا على شراء صمت الجميع لكنه لم يستطع شراء معجزة.
وفي عصر يوم خميس ثقيل حين صار ألم الروح أثقل من قدرة الجسد على الاحتمال قاد فرناندو كرسيه المتحرك الكهربائي نحو أبعد نقطة في الحديقة.
تحت شجرة سرو عتيقة لم تمسها يد الزمن حيث لا تلتقطه عيون الحراس ولا كاميرات القصر انهار الرجل الذي كانت تخشاه الأسواق.
بكى.
بكاء خشنا عاريا يخرج من صدر ممزق. ضرب ساقيه العاجزتين بقبضتيه ولعن القدر والحياة ونفسه. ثم رفع رأسه نحو السماء الصافية وصرخ بصوت مبحوح
خذ كل مالي!
خذ كل شيء!
لكن دعني أمشي!
وقبل أن يبتلع الصدى صرخته جاءه صوت صغير خجول كأنه يخشى أن يوقظ حزنه
يا عم لماذا تبكي
انتفض فرناندو ومسح دموعه بعصبية وأدار كرسيه بعنف. خلف شجيرة ورد وقف طفل نحيل لا يتجاوز السادسة. حذاء قديم ممزق وقميص كرة قدم أكبر من جسده وعينان واسعتان
كان اسمه سيرخيو ابن روزا عاملة التنظيف التي تعيش مع طفلها في غرفة صغيرة خلف القصر.
قال فرناندو بحدة مصطنعة
ماذا تفعل هنا هذه المنطقة ليست لك. اذهب فورا!
لكن الطفل لم يتحرك. اقترب خطوة ثم أخرى بدافع فضول بريء لا يعترف بالفوارق الطبقية. نظر إلى ساقي فرناندو وقال بصوت صادق
سمعتك تصرخ هل تؤلمك رجلاك
ضحك فرناندو ضحكة مريرة ضحكة رجل سلب منه المعنى.
لا تؤلماني يا صغيري. لا أشعر بهما أصلا. وهذه هي المشكلة. لن أمشي أبدا.
أنا مكسور.
أمال سيرخيو رأسه قليلا كما يفعل الأطفال حين يحاولون فهم أشياء أكبر من أعمارهم ثم قال ببساطة
أمي تقول إن الله لا يترك شيئا مكسورا دون محاولة إصلاحه.
اشتعل الغضب في صدر فرناندو. كان يكره هذا الأمل البسيط الذي يراه وهما قاسيا.
قال بحدة
إلهك نسيني. أنفقت الملايين زرت أعظم الأطباء ولم يفعل أحد شيئا.
ثم نظر إلى الطفل متحديا وقال بسخرية موجوعة
أعرض عليك صفقة. إن استطعت أن تفعل ما عجز عنه الجميع إن شفيتني سأعطيك ثروتي كلها. وإن لم تستطع فاتركني وحدي.
كانت كلمات قيلت من قاع اليأس.
لكن سيرخيو أخذها بجدية طفل لا يعرف معنى المستحيل.
ركع على العشب ووضع يده الصغيرة المتسخة بالتراب على ركبة فرناندو الساكنة.
وسأل بخجل
هل تسمح لي أن أدعو لك
كان فرناندو على وشك أن يصرخ أن يبعده أن يحطم هذا الوهم الصغير.
لكن شيئا في عيني الطفل أوقفه.
قال بصوت خافت وهو يغمض عينيه
افعل ما تشاء.
أغمض سيرخيو عينيه ولم يردد كلمات محفوظة. تحدث كما يتحدث طفل مع صديق قريب
يا الله هذا السيد حزين. لديه مال كثير لكن رجليه لا تعملان. الأطباء يقولون لا يمكن لكنك أنت خلقت الأطباء. أعطه قليلا من قوتك. دعه يمشي ليلعب معي. آمين.
لم تستغرق الدعوة سوى ثوان.
ثوان لم يكن فرناندو يعلم أنها ستفصل بين رجلين
الذي كان
والذي سيصبح.
لم يكن فرناندو يتوقع شيئا.
انتظر الإحباط المألوف ذلك الشعور الثقيل الذي اعتاد أن يهبط عليه بعد كل محاولة فاشلة بعد كل طبيب وعده ثم أدار له ظهره. انتظر أن يفتح عينيه ويجد جسده كما هو ساقين صامتتين لا تعترفان بوجوده.
لكن ما حدث لم يشبه شيئا عرفه من قبل.
بدأ الأمر بحرارة غريبة كأن جمرا هادئا اشتعل تحت جلد ركبته حرارة لم تكن مؤلمة بقدر ما كانت حية. ثم جاء الوخز إحساس يشبه تنميل القدم حين تستيقظ بعد نوم طويل لكنه كان أعمق