كنت مجرد طفلة صغيرة تحاول بيع البرتقال
كنتُ مجرّد طفلةٍ صغيرة تحاول بيع البرتقال لتؤمّن ثمن دواء أمّها.
لكن في اللحظة التي دخلتُ فيها قصرَ مليونير، وسألته: «لماذا صورةُ أمّي هنا؟»
بدأ كلُّ ما كنتُ أؤمن به عن حياتي يتصدّع من الداخل.
ذلك اليوم ما يزال حيًّا في ذاكرتي، واضح التفاصيل كأنه لم ينقضِ عليه زمن.
أستطيع أن أستدعيه متى أغمضتُ عينيّ، فأشعر بحرارة الشمس نفسها وهي تلسع جلدي، وبالعرق وهو يتسلّل ببطء تحت قميصي الخفيف، لزجًا، خانقًا، كأنه يذكّرني بأنني أصغر من أن أحتمل كل هذا الثقل وحدي.
كنتُ أسير بين بيوتٍ مسوّرة، لكلٍّ منها بوّابة شاهقة من حديدٍ أسود أو ذهبي، مزخرفة بنقوشٍ لا أفهمها، لكنها بدت أفخم بكثير من أن تنتمي لطفلةٍ مثلي. شعرتُ أنني غريبة عن المكان، كأن الأرصفة نفسها ترفض وقع خطواتي الصغيرة، وكأن الشارع بأكمله يهمس لي بأن أعود من حيث أتيت.
كنتُ أتمتم بالدعاء في قلبي دون أن أحرّك
ساقاي كانتا ترتجفان من طول المشي، ليس تعبًا فقط، بل خوفًا أيضًا. وحلقي جفّ من كثرة النداء على المارّة، أولئك الذين كانوا يمرّون بي كأنني هواء. بعضهم أشاح بوجهه، وبعضهم رمقني بنظرةٍ عابرة ثم أكمل طريقه، كأن وجودي تفصيلة مزعجة في يومه المرتّب.
كنتُ على وشك أن أترك دموعي تسقط، لا لأنني ضعيفة، بل لأنني تعبت من الصمود، حين وصلتُ إلى أعلى بوّابة في الشارع. كانت أضخمها وأكثرها صمتًا، تبتلع الضوء من حولها. توقّفتُ أمامها لحظة، ترددت، ثم دون أن أفكّر كثيرًا، رفعتُ يدي وضغطتُ الزر.
جاءني صوتٌ متعب من الداخل، أجشّ قليلًا، يسألني من أكون. وحين قلتُ
بل فتح البوّابة.
دخلتُ بخطواتٍ حذرة، أشعر أنني أتعدّى على عالمٍ لا يخصّني. اشترى كلَّ ما أحمله، لم يساوم، لم يسأل عن السعر. ثم دعاني إلى الداخل حتى لا أبقى واقفة تحت الشمس أكثر. شكرته بصوتٍ خافت، وأنا أقبض على النقود كأنها طوق نجاة.
ظننتُها لحظة كرمٍ عابرة، شيئًا سيُحكى ثم يُنسى. لكن ما إن دخلتُ الممرّ البارد، المكسوّ بالرخام والصمت، حتى انقبض شيءٌ في صدري. شعورٌ ثقيل، غامض، لم أعرف له اسمًا، لكنه جعل أنفاسي تتباطأ وكأن الهواء صار أثقل.
بينما اتجه الرجل نحو المطبخ، تاركًا إياي وحدي، بدأتُ أتلفّت حولي. كان المكان نظيفًا إلى حدٍّ مخيف، خاليًا من الفوضى التي اعتدتها في بيتنا الصغير. اقتربتُ من طاولةٍ صغيرة تحت الدرج، وهناك… توقّف الزمن.
كانت صورةٌ مؤطّرة لامرأةٍ تشعّ سعادة. شعرها
ومع ذلك، كانت هي نفسها دون أدنى شك.
ارتجفت أصابعي بعنف، وشعرتُ بالأرض تميل تحت قدميّ. سقط البرتقال من يدي وتناثر على الأرض، صوت ارتطامه كان عاليًا في ذلك الصمت الثقيل. عاد الرجل مسرعًا نحوي، وجهه مشدود، يحاول فهم ما أفزعني.
لم أستطع رفع صوتي. الكلمات علقت في حلقي، وبالكاد خرج همسي مرتجفًا، مكسورًا، حين سألتُ السؤال الذي غيّر كل شيء:
«لماذا… لماذا لديك صورة أمّي هنا؟»
تجمّد في مكانه. لم يجب فورًا. والنظرة التي رمقني بها، تلك النظرة التي امتزج فيها الذهول بشيءٍ آخر لم أفهمه بعد، جعلتني أدرك في تلك اللحظة أن حياتي، وحياة أمّي، وكل ما ظننته حقيقةً ثابتة…
لن تعود أبدًا كما كانت.. التالي
https://pub153.
