حبست مدبرة المنزل العاملة وطفليها التوأم
حبست مدبّرةُ المنزل العاملةَ وطفليها التوأم… لكن ردّة فعل المليونير جعلتها عاجزة عن الكلام.
«يا إلهي، ماريانا… ماذا تفعلين هنا محبوسةً مع الطفلين؟!»
دوّى صوت نيكولاس أرمنداريس في حمّام الضيوف كالرعد المحبوس بين الجدران الضيّقة، رعدٍ بلا سماء، يرتطم بالسيراميك الأبيض ثم يعود إليه مضاعفًا، حادًا، مختنقًا، كأن الجدران نفسها تصرخ بدلًا عنه. كان الصدى يلاحقه، يفضح عجزه أكثر مما يفرّغ غضبه. ارتجفت يداه بعصبيةٍ واضحة وهو يحاول للمرة الثالثة فتح المقبض المعدني، يلفّه بقوة، يضغط عليه حتى احمرّت مفاصله، وحتى شعر بألمٍ حارقٍ في راحة يده، لكنه لم يتوقّف. كان الإغلاق من الخارج محكمًا، قاسيًا، كأنه قرارٌ مقصود لا خطأ عابر.
في الداخل، رفعت ماريانا رأسها ببطءٍ شديد، ببطء من استُنزفت قواه تمامًا. كانت جالسةً على غطاء المرحاض البارد، ظهرها منحنيًا، وذراعاها تطوّقان طفليها الصغيرين اللذين تكوّرا فوق حجرها. جسداهما كانا يشتعلان بالحمّى، حرارة غير طبيعية، مخيفة، وأنفاسهما متقطّعة، متكسّرة، كأن كل شهيق معركة، وكل زفير استسلام صغير. عند سماع صوته خلف الباب، انفجرت الدموع التي حبستها أربع ساعات كاملة؛ أربع ساعات من الخوف، من الصمت الإجباري، من مراقبة عقارب الساعة وهي تتحرّك بلا رحمة،
انزلقت دموعها على خدّيها دون مقاومة، واختنق صوتها وهي تقول، بالكاد قادرة على إخراج الكلمات:
«سيدي نيكولاس… لا أستطيع فتح الباب. هو… هو مغلق من الخارج.»
ساد صمتٌ قصير، صمتٌ ثقيل، كأنه ثانيةٌ أطول من اللازم، ثم جاء صوته من خلف الباب أكثر حدّة، أقل صبرًا:
«منذ متى وأنتم هنا؟»
النبرة الجافة، الغاضبة، جعلت سانتياغو يتشبّث أكثر بزيّ والدته الأزرق، يقبض عليه بأصابعه الصغيرة المرتعشة، وكأنه يحاول أن يذوب فيها، أن يختفي من الصوت، من الألم، ومن هذا المكان الضيّق الذي صار فجأة عالمه كله. دفن وجهه في صدرها، بينما واصل السعال هزّ جسده النحيل بعنفٍ مؤلم.
ابتلعت ماريانا ريقها بصعوبة، وحاولت أن تهدّئ الطفلين بيدٍ مرتجفة، تمرّر كفّها على شعريهما المبلّلين بالعرق، ثم أجابت بعد تردّد:
«منذ الثانية بعد الظهر… لم يأتِ أحد. ولا أحد سمعنا.»
نظر نيكولاس إلى ساعته بسرعة، حركة حادّة، وكأنه يخشى الرقم الذي سيجده. كانت السادسة مساءً تمامًا. أربع ساعات كاملة. أربع ساعات لطفلين مريضين في حمّام مغلق. تبدّل وجهه في لحظة، تصلّبت ملامحه، وتحول إلى قناعٍ من غضبٍ مكبوت، غضبٍ بارد لا يصرخ، لكنه يحرق ببطء، ويترك أثره عميقًا. أخرج هاتفه بيدٍ حاسمة، أصابعُه ثابتة على غير عادتها،
«كارمن،» قال بلهجة لا تقبل النقاش، لا تسمح بسؤال أو تأخير، «تعالي فورًا إلى جناح الضيوف. الآن. حالًا.»
أنهى المكالمة دون انتظار رد، وكأن الأمر محسوم سلفًا، ثم عاد يطرق الباب براحة يده هذه المرة. كان الطرق أقل عنفًا، لكنه أكثر استعجالًا، أكثر توترًا، كأن الزمن نفسه صار خصمًا يجب هزيمته.
في الداخل، كان التوأم يسعل بقوةٍ متقطّعة، كأن الهواء نفسه يرفض أن يستقرّ في صدريهما الصغيرين. صدراهما يعلوان ويهبطان بصعوبةٍ مؤلمة، كل شهيق معركة، وكل زفير استسلام مؤقّت. كانت وجنتاهما محمرّتين على نحوٍ مخيف من شدّة الحمى، احمرار غير طبيعي، كأنه إنذار أخير لا يسمعه أحد. وعلى جبينيهما لمع عرقٌ بارد، متناقض مع الحرارة التي تلتهم جسديهما من الداخل، قطرات صغيرة تشبه الدموع، لكنها بلا صوت.
مدّ خواكين ذراعيه الصغيرتين نحو الباب، أصابعه ترتجف في الهواء، تبحث عن شيء لا تراه عيناه. نحو الرجل ذي البدلة الذي يقف خلف الخشب السميك، الرجل الذي لا يراه، لكنه يشعر بوجوده. يشعر بثقله، بصوته، بالمسافة القاسية التي تفصل بينهما. كانت حركة غريزية، خالية من أي تفكير، نداءً صامتًا للنجدة، لطفلٍ لم يتعلّم بعد معنى الخذلان، ولم يعرف أن الأبواب أحيانًا لا تُفتح مهما امتدّت الأيادي.
ذلك
انحنى قرب الباب ببطء، كأن ساقيه لم تعودا قادرتين على حمله. التصق جبينه تقريبًا بالخشب البارد، شعر بخشونته تحت جلده، وكأن الباب نفسه يذكّره بالحاجز الذي يقف بينه وبين الأطفال. خفّض صوته، فخرج مبحوحًا على غير عادته، أقل صلابة، أقل رسميّة، وأكثر إنسانية مما اعتاد أن يكون:
«سيساعدوننا حالًا يا بطل… أعدك. لن تبقوا هنا أكثر من ذلك.»
توقّف لحظة، التقط أنفاسه، ثم أضاف بصوتٍ أخفت، صوتٍ يكاد يضيع بين أنفاسه الثقيلة، وكأنه لا يخاطبهم وحدهم، بل يخاطب نفسه، وضميره، وكل ما حاول تجاهله من قبل:
«أمّك شجاعة جدًا… شجاعة أكثر مما ينبغي.»
وبقي على وضعه تلك الثواني، جبينه على الباب، وقلبه معلّق بين وعدٍ يتمسّك به، وخوفٍ يعرف في أعماقه أنه قد يكون متأخرًا أكثر مما يجب.. التالي
https://pub153.lamha.