ظنّ مليونير عربي متعدد الثروات أنه يستطيع إذلالي
ظنّ مليونير عربي متعدد الثروات أنه يستطيع إذلالي بمقلبٍ قاسٍ يتعلق بمئة مليون دولار، بينما كنتُ أتضوّر جوعًا في شوارع نيويورك المتجمّدة… لكنه لم يتخيّل أبدًا أن تلك الفتاة المكسيكية الصغيرة، المتّسخة والمنسيّة من النظام، تحمل في عقلها المفتاح الذي سينقذ إمبراطوريته ويمنحه أقسى درس في التواضع طوال حياته.
شهر ديسمبر في نيويورك ليس كما تصوّره أفلام «Home Alone».
لا سحر هنا، ولا أضواء دافئة، ولا موسيقى تبعث الطمأنينة…
خصوصًا حين تكون في العاشرة من عمرك، مكسيكية، وحيدة، والرياح القادمة من نهر هدسون تشبه سكاكين تقطع وجهك بلا رحمة.
اسمي هاربر مارتينيز، وبالنسبة للعالم… كنتُ شبحًا.
خطأً إحصائيًا في نظام الرعاية الاجتماعية.
ثلاث مرّات حاولوا وضعي في بيوت رعاية، وثلاث مرّات انتهى الأمر إمّا بهروبي أو برفضي.
تعلّمتُ باكرًا أن الشخص الوحيد الذي سيهتم بهاربر… هو هاربر نفسها.
الناس كانوا يرونني — إن تفضّلوا بالنظر أصلًا — ويرون القذارة فقط.
فتاة شارع.
متسوّلة أخرى “بلا مأوى” تزعج مداخل المترو.
ما لم يعرفوه…
أن تحت قبعتي الصوفية المتّسخة، وتحت ثلاث طبقات من معاطف بالية، كان هناك عقل يعمل بسرعة ألف دورة في الثانية.
بينما كان الأطفال الآخرون يلعبون بأجهزة لوحية جديدة، كنتُ ألتقط من القمامة كتيّبات
وبينما كانوا ينامون في دفء أسرّتهم، كنتُ أتسلّل إلى المكتبات العامة حتى يطردني الحراس، ألتهم الكتب عن الأمن السيبراني، والتشفير، والشبكات العصبية.
لم أذهب إلى مدرسة نظامية،
لكن الشارع علّمني الفيزياء،
واللوجستيات،
وعلم النفس.
والمكتبة علّمتني الاختراق.
عقلي كان سلاحي الوحيد…
وملجئي الوحيد.
كنت أعلم أن هذا العقل لا ينتمي إلى الرصيف البارد.
كنت أعلم أن قيمته أعلى من العملات المعدنية التي كانت تُرمى لي باشمئزاز.
لكن الجوع…
الجوع لا يفهم الذكاء.
الجوع حيوان ينهش أمعاءك ولا يترك لك مجالًا للتفكير في الشيفرات الثنائية.
في ذلك الصباح، كان هذا الحيوان يصرخ داخلي.
يداي ترتجفان، ليس فقط من البرد، بل من انخفاض حاد في السكر.
كنت أمشي مترنّحة في شارع ليكسينغتون، حين وقع بصري على مبنى كرايسلر…
إبرة فضية تخترق السماء الرمادية.
كنت أعرف سرًا من أسرار الشارع:
في ناطحات السحاب، نفايات الأغنياء وليمة لنا.
وكلما ارتفع الطابق، زادت كمية الطعام المهدور.
لم يكن لدي ما أخسره.
إما أن أجد ما آكله…
أو أسقط مغشيًّا عليّ في الشارع.
فعّلت وضع “الظل”.
انزلقت عبر مدخل الخدمات في اللحظة نفسها التي خرجت فيها شاحنة توصيل.
لا أحد ينظر إلى فتاة تتحرّك بثقة وسرعة.
صعدت سلالم الطوارئ.
طابقًا بعد طابق.
رئتاي
لكن حدسي قال لي: اصعدي أكثر.
وصلت إلى الطابق السبعين.
الهواء كان مختلفًا…
تفوح منه رائحة الخشب المصقول والعطور الفاخرة.
كنت أبحث عن مطبخ،
لكنني سمعت أصواتًا.
صراخًا.
كانت قاعة اجتماعات، بابها مفتوح.
ألقيت نظرة سريعة.
رجال ببدلات رسمية، متعرّقون، شاحبو الوجوه.
وفي المنتصف… خزنة عملاقة من الفولاذ المطفي، بلوحة رقمية تومض باللون الأحمر.
قال أحدهم بصوت مذعور:
— الأمر مستحيل يا سيد الزهراوي! خوارزمية التشفير مغلقة. إذا حاولنا إدخال الرمز مرة أخرى، سيفعّل النظام حذف الأصول… سنخسر كل شيء!
ضرب الرجل الذي يدعونه الزهراوي الطاولة.
كان مهيبًا، بتلك الهالة التي لا يملكها إلا أصحاب المال القديم.
— لا تخبرني بما لا تستطيع فعله! سأدفع ملايين لمن يحلّ هذا! لدي اجتماع مصيري خلال ساعة، وكل الأوراق هناك!
تجمّدت في مكاني.
لا خوفًا…
بل لأنني فهمت كل كلمة.
سمعت صفارات الخطأ.
رأيت التسلسل على الشاشة.
كان خطأً في صياغة بروتوكول المصادقة المؤقت.
كانوا يحاولون الدخول بالقوة،
بينما النظام يطلب إعادة تهيئة دورة الاتصال.
كان الأمر واضحًا…
بالنسبة لي.
الجوع منحني شجاعة غبية.
دفعت الباب.
ستة رؤوس التفتت نحوي.
ساد صمت مطبق.
هناك كنت…
طفلة قذرة، رائحتها رائحة الشارع، يداها سوداوان،
أمام أقوى رجال
سألني الزهراوي بازدراء:
— كيف دخلتِ إلى هنا؟
خرج صوتي أجشًّا لكنه ثابت:
— أنا جائعة.
ضحك بتوتر.
وقبل أن يستدعي الأمن، أشرت إلى الخزنة وقلت:
— أنتم تنفّذون التسلسل خطأ. المشكلة ليست في القفل. النظام يظن أنكم تهاجمون الخادم لأنكم لم تزامنوا توقيت الخادم مع التوقيت المحلي قبل إدخال الرمز. عليكم إعادة المصافحة.
احمرّ وجه كبير التقنيين، رجل بنظارات يُفترض أنه يحمل دكتوراه من MIT:
— عن ماذا تتحدثين؟ اذهبي قبل أن أتصل بالشرطة!
قلت بهدوء، وأنا أنظر إلى الشاشة:
— إذا واصلتم المحاولة اليدوية، ستفعّلون بروتوكول التدمير الذاتي خلال…
نظرت إلى العدّاد.
— ثلاث دقائق.
رفع الزهراوي يده، وأوقف الحارس الذي كان يقترب.
نظر في عينيّ طويلًا.
هل رأى ذكاءً؟
أم يأسًا؟
قال بنبرة ساخرة:
— أتقولين إنك تستطيعين فتحها؟
أجبته بلا تردّد:
— أقول إن خبراءك أغبياء… وأني أفهم لغة هذه الآلة.
ابتسم ابتسامة قرش.
— حسنًا، أيتها العبقرية الصغيرة. إذا فتحتِ الخزنة قبل وصول شريكي… سأعطيك مئة مليون دولار.
ضحك الجميع.
كان مقلبًا.
إهانة إضافية لموظفيه باستخدام فتاة شارع.
لم أبتسم.
قلت:
— أعطني شطيرة ديك رومي وكولا… وبعدها نتحدث عن الملايين.
أشار بيده، فجاء الطعام.
جلست أمام الخزنة.
أصابعي المتّسخة حلّقت فوق لوحة
أغمضت عينيّ لحظة.
اختفى العالم.
اختفى الجوع.
لم يبقَ سوى… أنا والشفرة.
وبدأت بالكتابة.. التالي
https://pub153.lamha.news/63361