خطيبتي القديمة ماتت

لمحة نيوز

خطـيبتي القـديمة ماتـت، وأهلـها كلمـوني بالـعافية عشـان يـقولوا لـي إنهـا خلـفت بيبــي .....!!!!

الجـملة وقـعت علـيّ زي حـجر ساقـط من سقـف واطـي.
قعـدت أبـص فـي المـوبايـل ثـوانـي طويـلة بـعد مـا المـكالمـة قـفلت، كأنـي مستنـي الصـوت يرجـع يقـول: 
= آسـفين، اتلخـبطنا، الاسـم غلـط.
لـكن الاسـم كـان اسمـي.
واسـمها… كـان اسـمها هـي.. احنا كنا متجوزين وانفصلنا. 

آخر مرة شفتها كانت واقفة قدامي، عيونها مليانة دموع وغضب، وقالتلي:
"لو مش هتعرف تحميني من أهلك، سيبني."
وسبتها.
أقنعت نفسي إن ده الصح.
قلت: كل واحد في حاله، وكل حاجة انتهت.

سافرت، اشتغلت، خطبت واحدة تانية، وبنيت حياة شكلها ثابت…
لحد ما مكالمة واحدة كسرت كل اللي اتبنى.
وعمري ما كنت متخيّل إن مكالمة واحدة ممكن تقسّم حياتي نصين.
قبلها كنت شخص، وبعدها بقيت شخص تاني خالص… مش أحسن، مش أوحش، بس مكسور ومضطر يكمل.
كنت قاعد لوحدي في الشقة، صوت التليفزيون شغال من غير ما أسمع، لما الموبايل رن. رقم مش مسجّل.
ردّيت من غير تفكير.
قالت اسمي.
نطقته ببطء، كأنها بتجرّه من قاع صدرها.
عرفت الصوت فورًا… أمها.
سألتها، وأنا أصلًا مش فاهم:
“في إيه؟ بتكلموني ليه؟”
سكتت شوية.
السكون اللي بينا كان تقيل، أطول من أي جملة.
وبعدين قالت.
ماتت.
الكلمة وقعت عليّ زي حجر.
ما فهمتش معناها في الأول.
كملت وهي بتحاول تبقى ثابتة:
“من أسبوعين.”
نفسي اتسحب.
لساني تقيل.
مخي وقف.
وبعدين، من غير

مقدمات، قالت الجملة اللي كسرت أي حاجة فاضلة:
“وسابت طفل.”
ضحكت.
غصب عني.
ضحكة قصيرة، ناشفة، ضحكة واحد دماغه رافض يصدّق اللي بيسمعه.
قلت:
“إنتي بتهزري؟… هي عمرها ما قالت إنها حامل.”
الرد جه هادي زيادة عن اللزوم، وده اللي خوّفني:
“عشان كانت مستنية اليوم اللي ترجع فيه.”
قفلت المكالمة.
مش علشان مش قادر أكمّل…
علشان إيدي كانت بتترعش ومش عارف أسيطر عليها.
فضلت ألف في الشقة زي واحد تايه.
الحيطان ضيّقت.
الهوا تقل.
وكل ذكرى قديمة طلعت من مخبأها في ثانية.
ضحكتها.
صوتها وهي بتضحك عليّ وأنا متعصب.
آخر رسالة بعتتهالي… وما رديتش.
كنت فاكر إن سفرنا كان فراق مؤقت.
سنة وأرجع.
أبويا مات بالكورونا، والدنيا اتقفلت، وأنا اضطريت أسيب كل حاجة وأسافر أساعد أهلي.
ما كانش ينفع نكمّل سوا وقتها.
اتفقنا نستنى.
بس هي…
استنت لوحدها.
في آخر الليل، الموبايل نور.
إشعار.
رسالة من رقم غريب.
فتحتها…
كانت صورة طفل رضيع، ملفوف في بطانية بيضا، مغمّض عينيه، ملامحه هادية بشكل يوجّع القلب.
وتحت الصورة جملة واحدة:
“في حاجة لازم تعرفها… بس مش في التليفون.”
قعدت على الأرض.
ضهري للحائط.
وبقيت أبص للصورة كأنها مش حقيقية.
بعدها بأيام، الحقيقة اتفرضت.
تحليل أبوة.
ورقة رسمية.
اسمي مكتوب فيها جنب كلمة “الأب”.
ما كانش فيه شك.
الولد ابني.
أنا عندي ٢٧ سنة، ولسه فاقد مراتي، ولسه مش فاهم نفسي، وفجأة بقيت مسؤول عن إنسان صغير محتاجني في كل نفس بياخده.
اللي وجّعني أكتر…
إنها
ما قالتليش.
أمها قالت إنها كانت خايفة أقلق، وإنها كانت ناوية تقول أول ما أرجع.
بس رجوعي جه متأخر.
رجعت من شهر…
ولقيت نفسي مش بس بخسرها،
ده كمان بفوّت أول شهرين في حياة ابني.
كنت متلخبط.
خايف.
زعلان.
ومتغاظ… من نفسي، من الدنيا، من الظروف.
أنا عارف إن ده ابني، وإن دي مسؤوليتي.
بس محدش بيعلّمك إزاي تبقى أب وانت لسه بتدفن اللي كنت بتحبها.
أهلي ما يعرفوش.
ولا حتى شافوه.
أنا شفت صور بس.
طفل جميل… ملامحه منها.
كنت مرعوب أقابله.
مش علشان مش عايزه.
علشان خايف ما أعرفش أكون اللي هو محتاجه.
وكنت عارف إن المقابلة دي…
مش هتغيّر حياتي وبس.
دي هتكسّرني، وبعدين تعيد تركيبي من الأول.
أول مرة دخلت بيتهم، حسّيت إني داخل مكان فيه فراغ أكبر من المساحة.
البيت كان مليان ناس، بس ناقصها هي.
الصورة بتاعتها كانت على الكومودينو، نفس الابتسامة اللي كنت فاكرها استنتني.
أمها فتحتلي الباب. وبعدين قالتلي:
“هو نايم دلوقتي… تحب تشوفه؟”
رأسي هزّ من غير ما أتكلم.
رجلي كانت تقيلة، كأن كل خطوة محتاجة قرار.
دخلت الأوضة.
السرير الصغير كان في الركن، والضوء واطي.
قربت ببطء، وبصّيت.
في اللحظة دي…
كل حاجة وقفت.
وشه كان منها.
مش شبهها… لا.
ده كان امتدادها.
نفس المناخير.
نفس الرموش.
حسّيت قلبي بيتسحب من مكانه.
الدموع نزلت من غير إذن.
شيلته.
أول ما شيلته، الدنيا لفّت.
مش علشان تقيل…
علشان الإحساس تقيل.
عيّطت.
مش شوية.
عيّطت بجد.
اضطرت تاخده مني.
مش علشان أنا وحش،

علشان اللحظة كانت أكبر مني.
قالتلي بهدوء:
“ده طبيعي… خليك معانا.”
قعدت كام يوم في بيتهم.
مش قادر أروح.
مش قادر أسيبه.
مش قادر أبقى لوحدي.
علّموني كل حاجة.
إزاي أغيّرله.
إزاي أشيله من غير ما أخاف أوقعه.
إزاي أركّب كرسي العربية اللي حسّيته اختراع معمول عشان يجنّن الناس.
أول ليلة لوحدي معاه كانت كارثة.
عيّط، وأنا توترت.
كلمت أمها خمس مرات في ساعتين.
كلمت دكتور الأطفال.
كنت مرعوب يكون فيه حاجة غلط.
ما كنتش بعرف أهديه.
الغُنا كان بيظبط شوية.
المشي في الشقة.
الهزّ.
كنت تعبان.
مرهق.
حاسس إني فاشل.
بس في لحظة…
ضحك.
ضحكة صغيرة، مش كاملة.
بس كفاية تخليني أكمّل.
الأيام عدّت تقيلة وبطيئة.
بس كل يوم كنت بحس إني أقربله.
أفهمه أكتر.
أهدى.
أخدت إجازة من الشغل.
كل وقتي معاه.
هو نام في السرير الصغير جنبي.
كنت أصحى أبص عليه بس عشان أتأكد إنه موجود.
أهلي شافوه على زووم.
ماما جت وشافته.
قالتلي:
“ده ابني قبل ما يكون حفيدي.”
قالت إنها هتساعدني لما أرجع الشغل.
الكلمة دي ريّحتني أكتر ما توقعت.
في يوم استلمت شهادة ميلاده.
قريت اسمه.
اسمه التاني…
اسم أبويا.
وقتها فهمت إنها كانت فاهمة كل حاجة.
عارفة قد إيه كنت بحبه.
وعارفة قد إيه كان هيحب ابنه.
عدّى تسع شهور.
تسع شهور كنت بتتعلم أكون أب،
وحدي…
ومن غيرها.
أول عيد ميلاد ليه جه في نفس يوم ذكرى وفاتها.
عملنا حفلة بسيطة.
أهلي وأهلها سوا.
شواء صغير.
ضحك متكسر.
صورتُه وهو بيدخل إيده في الكيكة.
سكر في
وشه.
ضحكته مليانة.
كنت مبسوط…
وحزين.
تمنيت تكون هنا.
تبوّس خده معايا.
تشوف إننا عدّينا السنة الأولى.
بالليل، لما نام،
قعدت أبص عليه.
دي كانت أحسن سنة في حياتي…
وأوحدها.
أنا أب.
بس لسه وحيد.
وحشاني.
وهتفضل.

تم نسخ الرابط