توقّفتُ لمساعدة أمٍّ منهارة في متجر… وبعد أيام جاءني عرض غيّر حياتي بالكامل
توقفت لمساعدة أم منهارة في متجر وبعد أيام جاءني عرض غير حياتي بالكامل
لم تكن لينا تعرف أن تلك الدقائق القليلة التي قضتها داخل متجر صغير في حي عادي ستسجل لاحقا بوصفها الحد الفاصل بين حياتين حياة قبل تلك اللحظة وحياة بعدها. كل ما كانت تفكر فيه آنذاك هو قائمة المشتريات التي لم تنته بعد والوقت الذي يضيق وطفلان ينتظرانها في المنزل أحدهما يحتاج إلى مساعدة في واجباته المدرسية والآخر يرفض النوم دون حكاية مسائية.
كانت أما عزباء اعتادت أن تحمل العالم وحدها دون شكوى. تعمل لساعات طويلة تعود مرهقة ثم تبدأ نوبة عمل أخرى لا أجر لها ولا إجازات الأمومة. في ذلك المساء وقفت في ممر المعلبات تتفحص العلب المعدنية بعين نصف شاردة تحسب الأسعار وتوازن بينها وبين ما تبقى في محفظتها. كان المتجر يعج بأصوات العربات المعدنية ونداءات العروض وهمهمات الزبائن ضجيج مألوف فقدت معه القدرة على التمييز.
وفجأة اخترق ذلك الضجيج صوت غريب شهيق حاد متقطع كأن
رأت امرأة شابة تقف على بعد أمتار قليلة جسدها متخشب ذراعاها مشدودتان حول رضيع صغير كأنها تخشى أن يسقط منها أو ينتزع. كان وجهها شاحبا إلى حد مقلق وعيناها متسعتين على اتساع العجز وأنفاسها تتعثر وكأنها تصطدم بجدار غير مرئي. لم يكن ذلك توترا عابرا ولا تعب أم حديثة الولادة بل نوبة هلع كاملة لحظة انهيار نفسي علني لا يعرف صاحبه كيف ينجو منها.
حولها لم يتحرك أحد. ثلاثة رجال كانوا يقفون بالقرب منها يراقبون المشهد ببرود فج. أحدهم ابتسم بسخرية الآخر تمتم بكلمات استهزاء والثالث أطلق تعليقا جارحا عن التمثيل ولفت الانتباه. كانت كلماتهم تسقط على المرأة كأحجار إضافية فوق صدرها المثقل أصلا بالخوف.
في تلك اللحظة لم تمر لينا بمرحلة التفكير. لم تسأل نفسها إن كان التدخل آمنا أو إن كان الأمر يخصها أو إن كانت متعبة
تقدمت بخطوات ثابتة صوتها خرج هادئا على غير ما تشعر به في داخلها. خاطبت المرأة باسم لم تكن تعرفه بعد لكنها تحدثت إليها بنبرة مألوفة نبرة من يعرف الخوف لأنه عاشه. مدت يديها بهدوء وأشارت إلى الرضيع وحين رأت تردد الأم أكدت لها بعينيها قبل كلماتها أنها هنا للمساعدة.
أخذت الطفل برفق شديد ضمته إلى كتفها كما لو كان واحدا من طفليها. بدأت تهمس له كلمات غير واضحة لكنها محملة بالطمأنينة. تربت على ظهره بإيقاع ثابت إيقاع تعرفه كل أم. وبعد لحظات هدأ بكاؤه وكأن جسده الصغير التقط الأمان قبل أن يفهمه.
جلست لينا على أرض المتجر غير عابئة بنظرات الاستغراب أو همسات الفضول. أشارت إلى الأم لتجلس بجوارها وبدأت تقودها ببطء إلى التنفس شهيق طويل زفير أبطأ. كانت تتحدث معها خطوة خطوة تعيدها إلى جسدها إلى اللحظة إلى الأرض التي تجلس عليها. وضعت
اتصلت بالإسعاف وبقيت إلى جوارها دون أن تتركها لحظة. لم تسألها عن اسمها ولا عن قصتها ولا عن سبب ما تمر به. كانت تعرف أن بعض اللحظات لا تحتاج تفسيرا بل حضورا فقط. حين وصلت فرقة الطوارئ وتولت الأمر أعادت لينا الطفل إلى ذراعي أمه ووقفت تراقب حتى تأكدت أن المرأة باتت في أيد آمنة.
وقبل أن تنقل على النقالة شدت الأم على يد لينا بقوة مفاجئة نظرت إليها بعينين غارقتين في الدموع وقالت بصوت مبحوح بالكاد يسمع
شكرا لأنك لم تتركيني.
خرجت لينا من المتجر وهي تعتقد أن ما حدث سينتهي عند هذا الحد. موقف إنساني عابر قصة صغيرة ستذوب وسط أيامها المزدحمة. لم تكن تعلم أن ما فعلته لم يكن مجرد إنقاذ لحظة بل بداية سلسلة أحداث ستعيد تعريف معنى الرحمة وتأثير التعاطف وقوة التدخل الإنساني في حياة الغرباء.
مرت الأيام الثلاثة التالية وكأنها لا تحمل أي إشارة لما سيأتي. عادت لينا