ثمن الاهانه…وهل جزاء الاهانه غير الاهانه كاملة
لما رجعتُ للبيت، استقبلني جوزي بقلم على وشي وهو بيصرخ: إنتِ عارفه يا حـ يوانه الساعة كام؟ ادخلي المطبخ حالًا، يا ست مالكِيش أي تلاتين لازمة...
فقررت انتقم والعَشا اللي قدّمته بعد كده دخلهم كلهم في حالة رعب خفي...
في الليلة دي، لما وصلت البيت، كنت لسه لابسة الجاكيت، والتعب مكسّر ضهري. كانت الساعة 10:20 بالليل. قبل ما ألحق أقفل الباب، حسّيت بضر، بة قوية على وشي. ما شوفتش الضـ ربه جاية منين. كل اللي سمعته كان صوت جوزي حسام عبدالعزيز بيزعق وهو مولّع نـ ار: إنتِ عارف الوقت اي؟ادخلي المطبخ حالا، يا ست منحـ له!
ابننا آدم، عنده تسع سنين، وقف متجمّد في طرقة الشقة. ملامحه ما كانتش صدمة… كانت تعوّد. وده أكتر حاجة وجعتني. حسام كان في البيت من ساعتين. العشا ما كانش جاهز. كنت راجعة من ورديتين شغل ورا بعض في تنظيف مكاتب، بس ده عمره ما كان يفرق معاه.
ما عيطتش. ما اتكلمتش. بهدوء شلت الجاكيت، ربطت شعري، ودخلت المطبخ. وأنا بطلع الحاجات من التلاجة، افتكرت حاجة اتعلمتها من زمان قبل ما أبقى الست الساكتة اللي الكل بيدوس عليها: السيطرة مش دايمًا بترجع بالصوت العالي… أحيانًا بترجع بالصبر.
حضّرت العشا بدقة. لحمة. أطباق جانبية. وزجاجة عصير عنب كان بيحتفظ
أثناء الأكل، حسام بدأ يعرق. قام دخل الحمّام، ورجع لونه أصفر. سامي أخوه اللي عايش معانا مؤقتًا بقاله ست شهور مسك صدره وبقى يتنفس بسرعة. آدم بصلي، الرعب مالي عينيه.
بصيت لابني، وحطّيت إيدي على كتفه بهدوء فاجأني أنا نفسي. قلت له: ما تخافش يا حبيبي… ادخل أوضتك..
حسام ما كانش سامعني. كان ماسك في ضهر الكرسي، العرق سايح على وشه. سامي كان بيشهق وبيتمتم بكلام مش مفهوم.
المطبخ المكان اللي اتشتمت واتزعقلي فيه آلاف المرات بقى فجأة ساكت… سكوت يخوّف… وفجاه …
…وفجأة، المطبخ اللي اتشتمت واتزعقلي فيه آلاف المرات بقى ساكت.
سكوت تقيل… يخوّف.
صوت النفس المتقطّع كان أعلى من أي زعيق سمعته قبل كده.
حسام مسك ضهر الكرسي بإيدين بترتعش، وسامي كان قاعد على الأرض، ضامم ركبته لصدره، عينه زايغة وكأنه شايف حاجة مش موجودة.
أنا؟
كنت واقفة.
ثابتة.
ولا لأول مرة في حياتي… مش خايفة.
الساعة كانت 11 إلا ربع.
الحي كله هادي.
ولا صوت غير تكتكة الساعة على الحيطة، وصوت شهقة سامي اللي
حسام بصلي.
نظرة عمرها ما جاتلي قبل كده.
مش نظرة سيطرة…
نظرة رعب.
— إنتِ… إنتِ عملتي إيه؟
سؤاله كان ضعيف، مكسور، وكأنه بيحاول يتمسك بأي حاجة ترجعله إحساس إنه لسه المتحكّم.
قربت خطوة.
ولا كلمة زيادة.
ولا انفعال.
قلت بهدوء:
— كلتوا العشا.
الكلمة نزلت عليه تقيلة.
مش عارف ليه، بس حس إن فيها تهديد أكتر من أي شتيمة.
سامي حاول يقوم، رجله خانته.
— حسام… أنا مش شايف كويس… قلبي بيدق بسرعة قوي…
آدم كان واقف على باب أوضته، عينه عليّ.
مستني إشارة.
أي إشارة.
بصيت له وابتسمت.
أول ابتسامة حقيقية يشوفها من شهور.
— اقفل الباب عليك يا آدم… ونام. بكرة عندك مدرسة.
سمع الكلام.
من غير نقاش.
كأنه طول عمره مستني اللحظة دي.
قعدت على الكرسي.
الكرسي اللي حسام كان دايمًا يقعد عليه.
حطّيت رجل على رجل، وبصّيت لهم الاتنين.
— فاكر يا حسام… أول مرة ضربتني؟
كنت فاكرها هتكون آخر مرة.
بس إنت حبيت الإحساس.
إحساس إن في حد أضعف منك.
بلع ريقه.
عرقه كان مغرق القميص.
— أنا… أنا تعبان… نودي المستشفى…
ضحكت.
ضحكة قصيرة، من غير صوت.
— مستشفى؟
فاكر لما كنت بقولك تعبانة؟
كنت تقوللي: “ما تمثليش… قومي اشتغلي.”
سامي بدأ يبكي.
— والله ما ليا دعوة… أنا ما
لفيت له.
— لا…
إنت كنت بتضحك.
وتقول: “سيبيه يتعلم يربي.”
سكت.
عيونه اتملت.
حسام حاول يقوم، وقع.
وقع على ركبته.
زي ما وقعت أنا مئات المرات… بس محدش شاف.
— أنا هموت؟
سألها وهو بيبصلي، لأول مرة يشوفني أكبر منه.
قربت منه.
انحنيت قدامه.
صوتي كان واطي، بس واضح:
— لا.
إنت مش هتموت.
إنت بس هتحس.
وسبتهم.
دخلت أوضتي.
قفلت الباب.
قعدت على السرير، قلبي بيدق…
مش خوف.
تحرير.
بعد عشر دقايق، سامي كان بيتصل بالإسعاف.
بعد ربع ساعة، العمارة كلها كانت واقفة على باب شقتنا.
الدكاترة قالوا:
— حالة هلع شديدة.
ضغط عالي.
سكر.
توتر عصبي.
ولا كلمة عن تسمم.
ولا كلمة عن جريمة.
العشا؟
كان عشا عادي.
بس الخوف…
الخوف كان هو السم الحقيقي.
في المستشفى، حسام كان على السرير، ضعيف.
أنابيب.
محاليل.
وأنا واقفة بعيد.
الدكتور قرب مني:
— لازم يبعد عن أي ضغط.
ابتسمت.
— عندك حق.
عدّى أسبوع.
اتنين.
شهر.
حسام رجع البيت…
بس مش هو.
صوته واطي.
إيده بترتعش.
ما بقاش يزعق.
وأنا؟
بدأت أجهز أوراقي.
محامية.
إثبات ضرب.
تقارير.
شهادة جار.
آدم بقى ينام من غير ما يفزع.
بقى يضحك.
وفي يوم، حسام قاللي:
— إنتِ اتغيّرتي.
بصيت له.
— لا.
أنا بس رجعت نفسي.
بعد ست شهور،
خرجت من البيت ده…
براسي
الانتقام مش دايمًا دم.
أحيانًا…
هو إنك تخلّي اللي كسرك
يشوفك وانتِ بتقومي
وهو عاجز يعمل أي حاجة.
الخاتمة
مش كل ست بتسكت ضعيفة.
أحيانًا بتسكت…
لحد ما تيجي اللحظة الصح.
تمت..