سمعتُ بكاء طفلين خلف مستودع… وما وجدته غيّر حياتي للأبد
سمعت بكاء طفلين خلف مستودع وما وجدته غير حياتي للأبد
لم تكن تتوقع أن ينتهي يومها عند حافة مستودع مهجور تحت مطر بارد يشبه الإبر وهي تحدق في رجل يحتضر بينما يحتضن طفلين حديثي الولادة كأن جسده آخر جدار بينهما وبين العدم.
كانت البركة تحت قدميه خليطا مربكا من ماء المطر ولون داكن لا يخطئه القلب. الدم لا ينتشر بسرعة بل يتسلل كأنه يعرف أن الوقت ينفد ولا حاجة للعجلة. ذراعاه كانتا مطبقتين حول الرضيعين بقوة غير منطقية قوة رجل قرر في لحظة متأخرة أن يحب شيئا أكثر من نفسه.
توقفت سكاي جاكسون على بعد خطوة واحدة.
خطوة واحدة فقط تفصل بين الهروب والتورط.
السماء كانت تمطر منذ ساعات. مطر نوفمبر الذي لا يحترم الملابس الرخيصة ولا النوايا الحسنة. تسلل البرد إلى عظامها عبر حذاء رياضي قديم فيه ثقب صغير يجعل كل خطوة اعترافا بالبلل. هاتفها في جيبها يختنق ببطارية تحتضر ومعدتها الفارغة تذكرها أن الغداء كان منذ زمن يبدو الآن بعيدا.
كانت عائدة من المدرسة تسلك الطريق الأطول كعادتها.
الطريق القصير مليء بالسيارات بالآباء الذين يلوحون بالأطفال الذين يتصنعون الانشغال كي لا يحدقوا في الفتاة التي لا يأتي أحد لاصطحابها.
أما الطريق الطويل فكان صامتا.
وكان الصمت أحيانا أرحم.
كانت ترتدي قميصا أحمر بقلنسوة واسعة أكبر من مقاسها لكنه يمنحها وهم الأمان. في جيبه الأمامي منديل ورقي مطوي داخله خبزان صغيران. بقايا هكذا قالت عاملة المقصف. وكلتاهما عرفتا أنها ليست بقايا.
حين سمعت الصوت ظنت في البداية أنه وهم.
ثم تكرر.
ثم انقسم إلى صوتين.
بكاء.
بكاء رضيعين.
توقف الزمن داخل صدرها. الأصوات كانت ترتد عن جدران المستودعات تتحول إلى نداءات قصيرة حادة يائسة. ليست ضوضاء آلات ليست صفير رياح. بكاء يعرف كيف يجد الأذن التي لا تريد أن تسمع.
مرت امرأة
آلات يا عزيزتي. عودي إلى بيتك.
لكن سكاي كانت تعرف.
الآلات لا تختنق.
ولا تتوسل.
تحركت قدماها قبل أن يقرر عقلها. تذكرت وصايا الجدة لا تدخل الأزقة لا تتبعي أصواتا غريبة لا تذهبي حيث لا يذهب الأطفال.
لكن البكاء انخفض فجأة كأن الهواء نفد من رئتين صغيرتين.
همست
لا بد أن يتأكد أحد.
ولم يتأكد أحد.
انزلقت بين مستودعين. الهواء صار أثقل رائحة زيت قديم وحديد مبتل. الضوء البرتقالي الوحيد كان يتدلى فوق باب فولاذي يرسم دائرة واهنة على الأرض.
وفي قلب تلك الدائرة كان الرجل.
جلس مستندا إلى الجدار ساقاه ممدودتان قميصه الأبيض ملتصق بجسده وقد فقد لونه تحت المطر. سترته الرسمية انزلقت عن كتفيه وعنقه مكشوف. كان يبدو كشيء اقتطع من عالم آخر ووضع هنا بالخطأ.
وفي ذراعيه طفلان.
ملفوفان ببطانيتين كريميتين وجهاهما محمران أفواههما مفتوحة في بكاء متعب. أحدهما يلوح بقبضتيه في الهواء والآخر صوته أضعف كأنه استهلك كل احتجاجه.
تجمدت سكاي.
الرجل لا ينتمي لهذا المكان. ساعة أنيقة حذاء لامع رغم الخدوش شعر مصفف ينهار تحت المطر. وعلى جانبه بقعة داكنة كثيفة لا علاقة لها بالماء.
دم.
لم يكن هناك صراخ ولا مهاجم ولا سلاح. فقط صمت يؤكد أن الكارثة حدثت بالفعل.
قالت بالكاد يسمع صوتها
سيدي هل أنت بخير
ارتجفت جفونه. فتح عينيه بصعوبة ونظر إليها نظرة لا تظهر إلا حين يقرر الإنسان الاستسلام ثم يتراجع في اللحظة الأخيرة.
قال بصوت مكسور
لقد سمعتهما.
اقتربت خطوة. عن قرب بدا أسوأ. بشرته شاحبة شفاهه باهتة والعرق يتصبب من جبينه رغم البرد. كان هناك قماش مشدود حول خاصرته كضماد بدائي غارق بالدم.
قالت محاولة أن تتمسك بأي شيء طبيعي
أنت
ابتسم ابتسامة قصيرة تحولت إلى تأوه.
ملاحظة ذكية.
بكى الطفلان بقوة ثم خفت الصوت فجأة كأن التعب انتصر.
سألت لأنها احتاجت أن تبقى واقفة
كم عمرهما
همس
ثلاثة أسابيع أصغر من أن يفهما لماذا يخطئ الكبار بهذا الشكل.
شدها شيء لا تستطيع تفسيره.
قالت قبل أن تفكر
هل هل أستطيع حمل أحدهما
نظر إليها طويلا. إلى حذائها المبتل إلى القلنسوة الكبيرة إلى عينيها اللتين لم تهربا.
قال بهدوء متعب
كنت أتمنى أن تقولي ذلك.
مد أحد الرضيعين نحوها. كانت يداه ترتجفان لا خوفا بل إنهاكا.
اسندي رأسه.
استقر الدفء الصغير بين ذراعيها. ثقل حقيقي حي. تشبثت أصابع الرضيع بخيط القلنسوة وكأنه يتحقق من وجودها. هدأ بكاؤه إلى شهقات خفيفة.
نظر الرجل إليها وكأن شيئا داخله سمح لنفسه بالراحة لأول مرة.
قال بصوت خافت
قالوا إنك ستكونين جيدة معهما.
تجهمت سكاي.
من قال
لم يجب. فقط أغلق عينيه والمطر استمر في الهطول.
لم تجب سكاي عن سؤاله.
لم تكن متأكدة أنها تريد سماع الإجابة أو أنها مستعدة لأن تسحب فجأة من كونها فتاة تعود سيرا إلى بيتها إلى كونها الاختيار.
الرجل فتح عينيه مجددا بصعوبة أكبر هذه المرة. تنفسه صار متقطعا كأن الهواء نفسه يطالبه بتفسير. حاول أن يرفع رأسه فخانته عضلاته فاكتفى بالنظر إليها.
قال
في جيب سترتي بطاقة.
ترددت. الرضيع في ذراعيها تحرك أصدر صوتا صغيرا كأنه يذكرها بأن الوقت لا يسمح بالحيرة. مدت يدها الحرة أخرجت محفظة رفيعة ومنها بطاقة بلا شعار بلا ألوان فقط اسم محفور بدقة وتحته سلسلة أرقام.
توقفت أنفاسها.
الاسم لم يكن عاديا.
كان اسما رأته على لوحات ضخمة في نشرات الأخبار على لافتة التبرعات في مدرستها. اسم يرتبط بكلمات مثل ملياردير تقنية نفوذ ابتكار قوة.
خرجت الكلمات منها بلا إذن
أنت أنت الرجل الذي في الإعلانات.
ابتسم ابتسامة
إن كنت تصرين على هذا الوصف.
بكى الرضيع الآخر في حضنه بكاء ضعيفا كأن صوته نفد. شد الرجل ذراعه حوله رغم الألم.
قال
على ظهر البطاقة رقم خاص. ليس للطوارئ العامة. اتصلي به. قولي لهم إنك معي ومع التوأمين.
سألته وصوتها صار أكثر ثباتا مما شعرت به
لماذا لا أتصل بالإسعاف
أظلمت عيناه.
لأن بعض من يرتدون الزي الرسمي لا يأتون لإنقاذ الجميع. ولأن هناك من في عالمي لا يريد أن نعثر علينا أحياء.
شدت أصابعها على البطاقة. المطر كان يزداد والضوء البرتقالي يرتعش.
قال بصوت يكاد ينطفئ
أرجوك لا تتركيهما.
نظرت إلى الرضيع في ذراعيها إلى وجهه المتجعد إلى قبضته الصغيرة التي تشد القماش الأحمر. شعرت بثقل لم تعرفه من قبل ثقل يشبه القرار الذي لا رجوع عنه.
قالت
أعدك.
أخرجت هاتفها. الشاشة متشققة والبطارية تومض بلون الخطر. تمتمت
رجاء ليس الآن.
ضغطت اتصال.
لم يرن الهاتف.
جاءها صوت امرأة فورا منخفض حاسم
أين هو
ارتبكت.
مرحبا
قال الصوت
معك بطاقته. هذا يعني أنك معه. هل هو واع
نظرت إليه. رأسه مستند إلى الجدار عيناه نصف مغمضتين أنفاسه قصيرة.
بالكاد. هناك دم وطفلان.
زفرت المرأة بحدة ثم قالت
أنت عند ساحة التحميل الشرقية. هل ترين علامة D12
نظرت حولها.
D11.
جيد. ابقي مكانك. لا تحركيه. اهدئي الطفلين. المساعدة في الطريق.
قبل أن تسأل كيف عرفت قالت المرأة بهدوء مقلق
اسمك سكاي أليس كذلك
تجمدت يدها.
كيف
لأنه لم يتوقف عن ذكر اسمك.
لم تأت المساعدة على هيئة سيارة إسعاف.
جاءت سيارة سوداء بلا علامات أضواؤها خافتة حركتها ناعمة. توقفت عند طرف الساحة ونزلت منها امرأة بخطوات سريعة مدروسة.
انحنت قرب الرجل فورا.
من بين كل الأماكن اخترت مستودعا
ابتسم بتعب.
كنت بحاجة إلى مسرحية ومعي بطلة.
نظرت المرأة إلى سكاي إلى القلنسوة الحمراء
أنت سكاي.
لم يكن سؤالا.
قالت سكاي
يبدو أن الجميع يعرف اسمي.
قالت المرأة
أنا أمارا. وأعتقد