اختفت بعد أن أخذت مالي… وعادت يوم زفافي بما لم أتخيّله أبدًا
اختفت بعد أن أخذت مالي وعادت يوم زفافي بما لم أتخيله أبدا
حين تعود الوجوه من الغياب
لم تكن الصداقة التي جمعتنا ابنة اللحظة بل ولدت من الحاجة.
التقينا في السنة الأولى داخل الحرم الواسع للجامعة الوطنية المستقلة في تايوان وسط ضجيج الطلبة وحلم النجاة الذي نحمله جميعا. كنا فتاتين جاءتا من أطراف الخريطة هي من مدينة وأنا من مدينة اخرى. لم نكن نملك سوى حقائب خفيفة وقلوب ممتلئة بالحنين وطموح يشبه العناد.
سكنا غرفة صغيرة جدرانها رطبة وسقفها يئن في الليالي الممطرة. كنا نقتسم الوجبات الرخيصة ونخترع الضحك كي نسكت صوت الشوق إلى بيوت تركناها خلفنا. في تلك المساحة الضيقة ولدت صداقة لا تقاس بالوقت بل بالمواقف.
اسمها كان كاملة رشاد.
كانت من أولئك الأشخاص الذين يمنحونك شعور الأمان دون وعد ويشاركونك آخر رشفة قهوة وكأنها حق طبيعي. لم نكن نحسب الحساب كنا نعيش على الثقة وحدها وعلى يقين ساذج بأن القرب كاف ليحمي القلوب.
بعد التخرج فعلت الحياة ما تجيده دائما فرقتنا.
حصلت على وظيفة ثابتة في غوادالاخارا أرقام جداول
ثم جاءت تلك الليلة.
رسالة قصيرة لكنها ثقيلة.
مريم أحتاج المال. والدي مريض بالقلب وسقف منزلنا سقط بعد الإعصار. أرجوك سأعيده خلال عام.
لم أفكر.
لم أوازن.
لم أستشر أحدا.
حولت لها كل ما ادخرته ثمانية آلاف يورو. ثم استدنت مبلغا إضافيا لأكمل ما طلبته. كانت تبكي عبر الهاتف صوتها مكسور ووعدها طويل. شكرتني مرارا وقالت إنني الصديقة الوحيدة التي لم تتخل عنها.
ثم الصمت.
رقمها أصبح خارج الخدمة.
حساباتها اختفت.
وكأن كاملة رشاد لم تكن يوما.
انتظرت. شهرا. شهرين.
ثم سنة.
ثم ثلاث.
تحول الغضب إلى خجل.
والجرح إلى صمت ثقيل.
لم أخبر أحدا. كأن الاعتراف بالخيانة كان سيجعلها حقيقية أكثر مما أحتمل.
ومضت الحياة كما تمضي رغم كل شيء.
بعد ثلاث سنوات كنت أستعد للزواج من يوسف. رجل هادئ مهندس نظم يرى في
كل شيء كان يسير بسلاسة
حتى توقفت سيارة فاخرة عند المدخل.
التفتت الرؤوس.
نزلت امرأة طويلة واثقة ببدلة أنيقة وعطر باهظ يترك أثره في الهواء. خطواتها محسوبة حضورها طاغ.
ثم التقت عيوننا.
كانت هي.
شعرت بأن الهواء انسحب من صدري.
كاملة رشاد.
اقتربت بابتسامة هادئة كأن السنوات لم تفصلنا كأن الصمت لم يبتلع كل شيء. مدت يدها وضعت ظرفا كريمي اللون في كفي.
مبارك مريم همست.
الظرف كان ثقيلا مختوما.
فتحته بيدين ترتجفان.
لم يكن مالا.
ولا شيكا.
كانت رسالة.
بخط أعرفه جيدا.
خط أحلامنا القديمة.
بدأت أقرأ
وكان الصمت يملأ المكان.
أعرف أنك تكرهينني ولك الحق. لكن قبل أن تحكمي عليك أن تعرفي الحقيقة
توقفت أنفاسي.
وأدركت في تلك اللحظة أن الغياب لم يكن نهاية القصة بل بدايتها.
الدين الذي لا يسدد بالمال
تابعت القراءة وكل كلمة كانت تنزع طبقة أخرى من الصمت الذي تراكم في صدري عبر السنوات.
كتبت كاملة رشاد
كتبت أنها خافت.
خافت إلى حد الهروب.
أخذت المال لا كسرقة بل كوسيلة نجاة. لم يكن لديها وقت لتشرح ولا شجاعة لتطلب المغفرة. اختفت لأنها إن بقيت كانت ستسحق هكذا قالت وهكذا صدقت نفسها كل ليلة.
بهذا المبلغ بدأت من الصفر في مدينة ساحلية لا يعرفها أحد فيها. متجر صغير لبيع الملابس المستعملة غرفة ضيقة رفوف مائلة ومصباح يتدلى من سقف متعب. كانت تفتح الباب كل صباح وقلبها يسبقها خوفا وتغلقه ليلا وهي لا تكاد تقف على قدميها. لا أصدقاء لا سند لا رفاهية فقط عمل متواصل وأمل هش تتشبث به كي لا تنهار.
مرت السنوات ببطء قاس.
لكن المتجر كبر.
ثم تغير.
ثم باعته.
لم يكن الربح كبيرا لكنه كان كافيا لتبدأ