طفل يتسول الطعام في زفاف فاخر

لمحة نيوز

طفل يتسول الطعام في زفاف فاخر ثم يتعرف على العروس بأنها أمه المفقودة!
السوار الأحمر
كان اسمه آدم طفلا نحيل الجسد حاد النظرات بلغ العاشرة قبل أن يعرف معنى أن يكون له بيت حقيقي.
لم يكن يتذكر أما ولا أبا ولا صوتا يناديه ليلا ولا يدا توقظه صباحا. كل ما يملكه من الماضي صورة مشوشة للماء وهو يهتز وصوت بكاء لا يتوقف وذراعان غريبتان انتشلاه من الغرق.
وجده الشيخ سالم تحت جسر مهجور بعد ليلة عاصفة. كان المطر قد جرف كل شيء وحتى الطفل الذي استقر داخل صندوق بلاستيكي عالق عند طرف القناة.
لم يكن يعرف المشي ولا النطق وكان البكاء هو لغته الوحيدة.
حول معصمه الصغير كان هناك سوار أحمر خيطه باهت وعقدته ضعيفة كأنها على وشك الانفصال.
ومعه ورقة ممزقة حروفها متداخلة بالماء
اتركوه لمن يرحمه.
اسمه آدم.
لم يكن الشيخ سالم يملك ما يمنحه لطفل.
لا سقفا
ولا مالا
ولا مستقبلا واضحا.
كان يملك فقط جسدا أنهكه العمر وقلبا رفض أن يترك الرضيع لمصيره.
ربى آدم على الفتات وعلى الحساء الذي يوزع في آخر النهار وعلى الزجاجات التي تجمع وتباع.
وكان يقول له دائما حين كبر قليلا وصار يفهم
إن صادفت أمك يوما لا تحمل لها غضبا. القلوب لا تتخلى إلا وهي تنزف.
كبر آدم بين الأسواق والنداءات العالية والبرد الذي لا يقاوم تحت الجسور.
لم يعرف كيف يبدو وجه أمه لكن الشيخ سالم أخبره أن السوار كان ملفوفا بخصلة شعر طويلة وأن رائحة العطر لم تفارق الورقة رغم البلل.
وكان يظن أن أمه كانت صغيرة

جدا أصغر من أن تتحمل طفلا وحياة.
ثم مرض الشيخ سالم.
رئتان متعبتان لم تعودا تقاومان.
أدخل المستشفى الحكومي وبقي آدم وحده لأول مرة.
في إحدى الليالي والفراغ يقرص معدته سمع الناس يتحدثون عن زفاف ضخم في قصر بحي راق.
قالوا إن الطعام فيه يكفي حيا كاملا.
فمشى.
وقف قرب البوابة مترددا خائفا حتى رأته امرأة من طاقم المطبخ.
ناولته طبقا وقالت همسا
كل بسرعة واختف.
جلس آدم خلف عمود رخامي يأكل وينظر.
الأنوار
الموسيقى
الضحكات المصقولة.
وسأل نفسه
هل يمكن أن تكون أمي هنا
أم أنها ما زالت مثلي تنتظر
ثم تغير كل شيء.
أعلن المذيع دخول العروس.
وانفتحت القاعة على صمت ثقيل.
نزلت امرأة بفستان أبيض ملامحها هادئة شعرها أسود طويل.
كانت جميلة لكن الجمال لم يكن ما شد آدم.
كان السوار الأحمر في معصمها.
توقف الزمن.
الخيط نفسه.
العقدة نفسها.
تقدم آدم خطوة ثم أخرى وصوته يخرج مرتجفا
لو سمحت هذا السوار من أين لك به
ساد الوجوم.
نظرت العروس إلى معصمها ثم إلى وجه الطفل.
ورأت في عينيه شيئا تعرفه.
جثت أمامه.
سألت
ما اسمك
قال
آدم.
انهارت.
اعترفت وسط الصمت بأنها حملت في الثامنة عشرة وحدها خائفة بلا سند.
تركت طفلها وهي تظن أن الزمن سيغفر.
لم يفعل.
ضمها آدم وقال بهدوء لم يشبه عمره
علمني الشيخ سالم ألا أكرهك.
اقترب العريس استمع ثم انحنى أمام الطفل.
قال
إن أردت فلن تكون وحدك بعد اليوم.
في تلك اللحظة لم يعد الزفاف زفافا.
صار اعترافا.
وصار غفرانا.
وصار بداية.
وفي قلب آدم
ارتفع صوت خافت
لم أعد طفل الجسر لقد وجدت مكاني.
السوار الذي لم ينقطع
كان اسمه آدم ولم يكن يعرف بالضبط متى بدأ يشعر أن العالم أوسع من أن يحتويه وأقسى من أن يشرح له نفسه.
عشر سنوات عاشها وهو يتعلم كيف يقف دون أن يسنده أحد وكيف ينام بعين مفتوحة وكيف يخفي جوعه بابتسامة صغيرة لا يلاحظها المارة.
لم يكن له والدان في الذاكرة.
كل ما بقي له من البدايات حكاية يرويها الشيخ سالم كلما اشتد البرد
ليلة مطر عاتية
قناة فاض ماؤها
وصندوق بلاستيكي اصطدم بحافة الجسر
وفي داخله طفل يبكي كأن البكاء هو الشيء الوحيد الذي يربطه بالحياة.
قال الشيخ سالم إنه حين رفعه كان خفيفا على نحو مخيف كأنه لم يتشبث بعد بهذا العالم.
وحول معصمه كان هناك سوار أحمر خيطه مهترئ لكنه متماسك بعناد غريب كأنه يقاوم الزمن.
أما الورقة فكانت قصيرة خجولة بلا أسماء
أمانة اعتنوا به.
لم يكن الشيخ سالم رجلا صالحا بالمعنى الذي تحبه القصص.
كان متسولا مريض الظهر ينام حيث يتعب.
لكنه حين حمل آدم لم يتركه.
رباه على ما يجود به النهار
خبز يابس
حساء بلا ملح
وحكايات عن الرحمة كان يرددها كأنها صلاة.
وكان يقول له دائما
في الدنيا دي يا ابني في ناس بتسيب مش لأنها قاسية لكن لأنها مكسورة.
كبر آدم وهو لا يسأل كثيرا.
تعلم أن بعض الأسئلة لا تجد إجابات وأن الانتظار أحيانا هو الجواب الوحيد.
وحين مرض الشيخ سالم وامتلأت رئتاه بالسعال تبدل كل شيء.
صار آدم هو من يخرج باكرا وهو من يطلب وهو من يعود ليلا
خائفا أن يفقد الرجل الوحيد الذي عرفه أبا.
وفي إحدى الليالي قادته قدماه إلى حي لم يدخله من قبل.
بوابات عالية أضواء موسيقى.
قيل إن هناك زفافا كبيرا وإن الطعام فيه كثير.
لم يفكر طويلا.
وقف في الظل مترددا حتى رأته امرأة من الداخل.
ناولته طبقا وهمست
كل وربنا يستر.
جلس آدم يأكل وعيناه تتنقلان بين الناس.
الملابس النظيفة
الضحكات الواثقة
والنساء اللواتي لا يشبهن أحدا عرفه من قبل.
وفجأة صمتت القاعة.
أعلن الصوت دخول العروس.
نزلت امرأة بفستان أبيض خطواتها هادئة وملامحها ثابتة.
وفي معصمها
ذلك السوار.
توقف قلب آدم لحظة.
لم يكن يشبهه فقط.
كان هو نفسه.
تقدم دون أن يفكر.
صوته خرج ضعيفا لكنه صادق
لو سمحتي السوار ده منين
انحنت المرأة ببطء نظرت إلى السوار ثم إلى الطفل.
وعرفت.
لم يكن التعارف بحاجة إلى شرح.
كانت العيون أصدق من أي دليل.
بكت.
وبكى.
وسقطت السنوات بينهما كجدار قديم.
قالت إنها كانت صغيرة خائفة وحيدة.
قالت إنها ظنت أن النسيان ممكن.
ولم يكن.
وحين اقترب الرجل الذي كان من المفترض أن يكون العريس لم يصرخ ولم يغضب.
استمع فقط.
ثم انحنى أمام آدم وقال
لو حابب ممكن نبدأ من هنا.
في تلك اللحظة تغير كل شيء.
لم يعد المكان قصرا.
ولا الزفاف حفلا.
صار اعترافا طويلا وغفرانا متأخرا وبداية لم تخطط.
أمسك آدم بيد أمه بقوة
ثم بيد الرجل الذي لم يعرفه بعد
وشعر لأول مرة أن الأرض لا تميل تحته.
وفي مكان بعيد تحت جسر قديم
لو كان الشيخ سالم يرى
لابتسم وقال
قلتلك
القلوب لا تترك إلا وهي موجوعة.
أما آدم
فنام تلك الليلة دون خوف.
والسوار الأحمر
لم يعد علامة فقد
بل شاهدا على أن بعض الخيوط
حتى لو بليت
لا تنقطع.

تم نسخ الرابط