عاد ليُفاجئ زوجته… فاكتشف أنها تُذلّ في بيته بينما عائلته تنعم بثروته!
عاد ليفاجئ زوجته فاكتشف أنها تذل في بيته بينما عائلته تنعم بثروته!
الجزء الأول العودة التي لم يعلن عنها
لم يكن وصوله حدثا ينتظر ولا خبرا سبقته الإشاعات.
عاد كما يعود الغرباء بلا ضجيج وبلا لافتات ترحيب وبلا أحد يقف عند البوابة ينتظر.
في مطار سافانا كانت الشمس تميل نحو الغروب تنكسر أشعتها على الواجهات الزجاجية وتغلف المكان بلون ذهبي خادع يوحي بالطمأنينة حتى لأكثر القلوب تعبا. المسافرون يتحركون بوجوه شاحبة وحقائب تجر خلفها قصصا لا يعرفها أحد.
من بينهم كان ياسين الهاني في منتصف الثلاثينيات رجل صنع اسمه بيده لا بورقة ميراث ولا بظل عائلة نافذة. خمس سنوات كاملة قضاها متنقلا بين المطارات غرف الفنادق الباردة الاجتماعات الطويلة وصفقات الخدمات اللوجستية التي لا تعرف الرحمة.
بنى شركة توريد غذائي عملاقة تمد مطاعم وأسواقا إقليمية في جنوب شرق الولايات المتحدة ودفعت ثمنها من عمره من راحته ومن أشياء لا تشترى بالمال.
كان النجاح صلبا لكنه وحيد.
لهذا السبب لم يخبر أحدا بعودته.
لا والدته.
لا أشقاءه.
ولا حتى زوجته.
لم يكن إهمالا بل رغبة في مفاجأة مفاجأة تشبه الاعتذار المؤجل.
في جيب معطفه
تمتم وهو يسير نحو المخرج
اصبري قليلا يا ليان عدت أخيرا.
ليان لم تكن مجرد زوجة.
كانت الشاهدة الأولى على فشله وعلى محاولاته المرتعشة وعلى ليال حسب فيها النقود قبل أن يشتري الوقود. سكنت معه شقة ضيقة فوق مغسلة ملابس ونامت على صوت الآلات وشاركت صمته حين انهار مشروعه الأول واعتقد أنه دمر حياتهما معا.
لم تطلب.
لم تلوح بالرحيل.
ولم تربط الحب بالنجاح.
وحين بدأت الأموال تتدفق أقسم ياسين في داخله ألا تعرف ليان القلق بعد اليوم.
أثناء غيابه الطويل أوكل شؤون البيت والإنفاق إلى والدته نجلاء الهاني وإلى أخته الكبرى ريم. كانتا تقيمان في القصر الذي بناه خارج بلفتون بيت واسع أنيق صمم ليكون ملاذ العائلة.
قالتا له إن ليان طيبة أكثر من اللازم وإنها لا تفهم في الاستثمارات ولا التخطيط المالي وإن الأفضل أن ترفع عنها هذه الأعباء.
صدق.
وثق.
ودفع ثمن الثقة مضاعفا.
حين توقفت السيارة السوداء أمام البوابة الحديدية للقصر كان الليل قد بدأ يمد أصابعه.
تجمد
السيارات الفاخرة تملأ الممر.
الإنارة أقوى من المعتاد.
والموسيقى موسيقى صاخبة تهز الزجاج.
قال لنفسه
لا بد أن هناك مناسبة.
كاد الحارس الجديد يمنعه من الدخول لولا اتصال سريع غير نبرته بالكامل.
ما إن اجتاز الباب حتى اصطدمت به رائحة الشواء والنبيذ الفاخر. ضحكات مرتفعة أصوات كؤوس طاولات ممتدة محملة بأفخم أنواع اللحوم والمأكولات البحرية جبن مستورد شمبانيا وويسكي نادر.
كان القصر في أوج حياة لم يعرفها من قبل.
رأى والدته تتألق بالمجوهرات.
ورأى ريم تتنقل بين الضيوف بثوب مصمم خصيصا لها.
ورأى أخاه الأصغر سليم يضحك بصوت عال يتباهى أمام أصدقاء لم يعرفهم ياسين يوما.
اختبأ خلف عمود رخامي كأنه دخل بيتا ليس بيته.
ثم سمع صوت سليم يرفع كأسه
نخب أخي الغائب الممول الرسمي لكل هذه الليالي الجميلة!
انفجر الضحك.
وفي تلك اللحظة انطفأ شيء ما داخل ياسين.
بحث بعينيه عن وجه واحد.
عن حضور واحد فقط.
عن ليان.
لم تكن في الصالة.
ولا في الطابق العلوي.
ولا في غرفة النوم الرئيسية.
تسلل قلق بارد إلى صدره.
اتجه نحو المطبخ حيث يعمل الطاقم بصمت. قال بهدوء متماسك
من فضلك أين السيدة ليان
تردد
أظنها في المطبخ الخلفي القديم. الآنسة ريم طلبت منها المساعدة هناك.
شعر كأن الأرض مالت تحته.
المطبخ الخلفي كان غرفة مهملة لم تجدد منذ سنوات. إضاءة ضعيفة جدران متشققة ورائحة رطوبة عالقة في الهواء.
فتح الباب.
وتوقفت أنفاسه.
كانت ليان جالسة على مقعد خشبي منخفض ترتدي ثوبا باهتا يداها متشققتان من الماء والمنظفات وكتفاها منحنيان تحت ثقل إرهاق لا يليق بامرأة في بيتها.
على الطاولة أمامها
طبق صغير من أرز باهت وبقايا سمك جاف.
لا لحم.
لا احتفال.
لا مكان لها في عالم الثراء الذي صنعه بيده.
همس بصوت انكسر دون قصد
ليان
رفعت رأسها بفزع وكأنها ضبطت في خطأ.
ياسين ماذا تفعل هنا
نهضت مسرعة تحاول ترتيب ثوبها تخفي خجلها بابتسامة متعبة.
آسفة أنا فقط
لم يدعها تكمل.
امسكها بقوة كمن يخشى أن تضيع إن أفلتها.
وشعر لأول مرة أن النجاح كله لا يساوي شيئا أمام هذا المشهد.
الجزء الثاني حين انقلب البيت على ساكنيه
لم تسأل ليان.
لم تفسر.
لم تحاول أن تبرر وجودها في ذلك الركن المنسي من البيت.
اكتفت بأن تستمد من دقاته إذنا مؤقتا بالاستمرار. كان جسدها خفيفا على ذراعيه خفة تشبه الهزيمة