حماتي ظنتني خادمتها… فغادرت بصمت، وبعدها انهار كل شيء
حماتي ظنتني خادمتها فغادرت بصمت وبعدها انهار كل شيء
لم أكن أعلم أن رقما واحدا قادر على قلب حياة كاملة رأسا على عقب.
أربعة آلاف دولار فقط هكذا ببساطة تحولت من مجرد دخل شهري إلى لعنة كشفت الوجوه وأسقطت الأقنعة وعرت مفاهيم مشوهة عن العائلة والحق والواجب.
كان ذلك في شقتنا الصغيرة بمدينة مونتيري شقة متواضعة لا تحمل من الفخامة شيئا لكنها كانت بالنسبة لي عالما آمنا. كنت أعيش مع زوجي ياسر حياة عادية لا فقر مدقع ولا رخاء مبالغ فيه. هو يعمل في المقاولات عمل شاق ومتقلب وأنا أعمل في المجال المالي عن بعد بدخل ثابت يمنحنا قدرا من الاستقرار وسط تقلبات الحياة.
لم أكن أخفي راتبي ولم أتباه به يوما. كان مجرد وسيلة للعيش الكريم لا راية أرفعها ولا سيفا ألوح به. لكن حين علمت به حماتي أمينة تغير كل شيء.
في البداية بدت وكأنها تكتشف في ما كانت تبحث عنه منذ زمن. ابتسمت لي كثيرا ربتت على كتفي
لم يدم ذلك الشعور أكثر من يوم.
في صباح اليوم التالي رأيت في عينيها نظرة مختلفة. لم تكن نظرة فخر بل حساب. نظرة امرأة بدأت ترسم في ذهنها خطة كاملة دون أن تشركني فيها ودون أن ترى في سوى مورد قابل للاستغلال.
من دون استئذان ومن دون حتى إشارة تمهيد أجرت اتصالات سريعة. إخوة زوجي الثلاثةمروان وسالم وفارسكانوا ما يزالون في قريتهم البعيدة يعيشون على الهامش بلا عمل ثابت وبلا مسؤولية حقيقية. أخبرتهم أن يأتوا أن البيت يتسع وأن المال موجود وأن زوجة أخيهم قادرة على التكفل بالجميع.
لم تسألني. لم تناقشني. أعلنت القرار وكأنه أمر واقع.
حين وصلوا واحدا تلو الآخر بملابسهم البسيطة وحقائبهم المهترئة شعرت بأن جدران شقتي تضيق. لم يكن ضيق المكان هو المشكلة بل ضيق
قالت حماتي بصوت لا يقبل الرد
من اليوم أنت مسؤولة عنهم. العائلة أولى بالمال.
كانت تلك الجملة كافية لهدم كل ما بنيته داخلي. في أقل من أربع وعشرين ساعة تحولت من زوجة عاملة إلى خادمة غير معلنة. ازدادت الأطباق تكاثرت الملابس المتسخة وامتلأ الهواء برائحة الفوضى والإهمال. كانوا يجلسون يأكلون ينامون ويطالبون بينما كنت أتنقل بين عملي وضغوطه وبين منزل لم يعد منزلا.
لم يمد أحدهم يدا للمساعدة. لم يسألني أحد إن كنت متعبة. كان الصمت هو اللغة السائدة صمت مفروض علي كأن الاعتراض جريمة وكأن الكرامة رفاهية لا يحق لي امتلاكها.
أما ياسر فكان واقفا في المنتصف ممزقا بين خوفه من أمه وعجزه عن مواجهتها. كان يطلب مني الصبر وكأن الصبر حل دائم لا تأجيل لانفجار حتمي.
إنهم إخوتي كان يقولها وكأنها تبرير كاف
لكن الصبر حين يفرض يتحول إلى قيد.
في الليلة الثالثة حين ارتفع صوت أحدهم في وجهي مطالبا بالعشاء شعرت بشيء ينكسر داخلي. لم يكن غضبا فقط بل وعيا مفاجئا. رأيت نفسي كما أنا امرأة تعمل تنفق تستغل وتترك وحيدة في معركة لم تخترها.
تلك الليلة لم أبك. لم أصرخ. جمعت أغراضي بهدوء كأنني أستعيد نفسي قطعة قطعة. تركت رسالة قصيرة لزوجي لا تحمل عتابا طويلا بل حقيقة واحدة
أن الزواج شراكة لا ساحة استنزاف وأن الصمت أمام الظلم خيانة للطرف الأضعف.
مع الفجر كنت في طريق العودة إلى بلدتي القديمة لا أعرف ما الذي ينتظرني لكنني كنت متأكدة من شيء واحد
أن البقاء كان سيكلفني نفسي.
العودة إلى بلدتي لم تكن هروبا بل استردادا لشيء كنت على وشك فقدانه نفسي.
البيت القديم استقبلني بصمت دافئ لا أسئلة فيه ولا لوم. جلست على الشرفة أراقب الحقول الممتدة حتى الأفق وأدركت كم كنت أعيش في ضيق مفتعل