بعض الخيبات لا تُمحـى…لكنها تظل عالقـه بالذاكره وتسيـر الدنيا بقلم اسما السيد
صديقة العمر… حين يتحوّل الستر إلى خذلان
يـوم فرحي وقفت صديقة عمري قـدام عريـسي وقالتله= عروستـك عليها فلوس ليـا..ورافضه تديهالي..عروستك حراميه …
لم أكن أؤمن بسهولة بكلمة صديقة. كنت أحتفظ بمسافة آمنة بيني وبين الجميع، مسافة تُبقي قلبي في مـأمن من الخيبات.
لكن مـارينا لم تحترم تلك المسافة.
دخلت حياتي كما يدخل الضوء من نافذة مفتوحة… دون استئذان.
كنا نعمل معًا في شركة صغيرة وسط القاهرة، متقاربتين في العمر، نضحك على نفس التفاصيل، ونتشارك نفس الإرهاق.
كانت مسيحيه، وأنا مسلمه، لكن الاختلاف لم يكن حاجزًا يومًا.
بل على العكس… كانت تقول دائمًا: احنا قلوبنا شبه بعض، مش ديانتنا يا رهـف
مع الوقت، أصبحت وجودًها يوميًا في حياتي…بعد العمل، تمرّ على شقتي الصغيرة، نأكل، نحكي، نضحك، ونؤجل أحزاننا إلى يوم آخر…كنت أعيش وحدي…لاني مغتربه
أما هي، فكانت تسكن مع أختها، وتأتي إليّ كأن بيتي هو ملاذها
خُطبتُ أنا وهي في توقيت متقارب…أحلام مشتركة، فساتين نتخيلها، قاعات زفاف نرسمها بالكلام.
لكن الفرح لا يأتي متساويًا….زفافها تم سريعًا، في نفس عام الخطوبة….أما أنا… فدخلت معركة طويلة مع أهلي.
رفضوا زواجي من رائف، لأنه ينتمي لعائلة معظـم رجالها يبيحون التعدد..حتي والده نفسه .
كنت أعود كل ليلة باكية، أشعر أن حلمي يُسحب من تحت قدمي ببطء…كانت مارينا تعرف كل شيء…تجلس بجانبي، تمسك يدي، وتقول: ربنا مش هيكسرك… اصبري.
صدّقتها.
وقفت معها في كل خطوة من
لففنا الأسواق، اخترنا القاعة، ساعدتها ماديًا دون حساب.
كنت أفرح لفرحها… رغم أن قلبي ينزف.
زفافها أُقيم في الرياض…. حيث عمل زوجها..وانا لم أستطع السفر.
كنت قد دخلت جمعية، واستثمرت المال في مشروع صغير لأشغل نفسي عن وجعي.
رائف حذرني: المشروع ده مش مضمون….لكنني كنت أحتاج أي أمل.
شرحت لها موقفي…غضبت قليلًا، ثم قالت إنها تتفهم.
غادرت من بيتي مباشرة مع زوجها…
وبقيتُ على الهاتف معها، أسمع الزغاريد من بعيد… وأنا وحدي.
وبعد وقت…فشل المشروع….خسرت المال، وغرقت في الديون.
رائف أصبح سندي الوحيد….كان يرسل المال، يتحمّل، يصبر.
مارينا… كانت ترى كل شيء.
تأتي لمحلّي يوميًا، تجلس بالساعات، تشاهد صمتي وخوفي.
ثم… حدثت المعجزة.
الموافقة… من اهلي على رائف.. في أسوأ توقيت
بعد شهور من العناد، وافق أهلي….لكن بشرط:
أسبوعان فقط للتعارف….كنت مكسورة ماليًا، مرهقة نفسيًا، لكنني وافقت…كان هذا الدعاء الذي انتظرته طويلًا.
تحمّل رائف كل شيء…ولم أجرؤ أن أطلب أكثر.
أرسل لي مبلغًا لتجهيزاتي…سددت به جزءًا من ديوني… لأنني كنت أغرق.
ثم مارينا عرضت المساعدة رفضت اخبرتني: اعتبريها سلف… زي ما وقفتي معايا يا بنتي..
٤٠ ألف جنيه.
ذهبنا نشتري كل شيء معًا….حتى أنها اقترحت ملابس لأهلي تقديرًا لهم…قبل التعارف، رددتُ ١٠ آلاف….وبقي ٣٠ ألفًا.
كنت أنوي سدادها من النقوط….لكن في يوم التعارف…
ضاعت الفرصة والفرحـه حينما وقفت وقالت….
سُرق
تم تحديد موعد الزفاف بعد شهرين…
منذ ذلك اليوم… تغيّرت مارينا….توقفت عن زيارتي.
بدأت الاتصالات…ثم المطالبات….ثم التهديد.
قالت إنها تحتاج المال لفحوصات إنجاب…لم تذكر هذا من قبل.
كنت أشرح… وهي لا تسمع…لم أخبر رائـف.
حتى جاء اليوم الذي انهار فيه كل شيء…طعنتني بغدرها
اتصل بي رائف غاضبًا….صوته لم أعرفه…صرخ بي: إزاي تحرمي صاحبتك من العلاج؟
علمت حينها… أنها خانتني…اتصلت به، بكت، كذبت، وحرّضته.
ثم وصلت الطعنة الثانية….أمي.
شخص ما أخبرها أنني استدنت لشراء ما ارتدوه يوم التعارف.
عرفت أنها ماريـنا.
واجهتها….لم تُنكر… ولم تبرر….أغلقت الهاتف.
سددت المال بعد شهر….أرسلت رسالة وداع….لم ترد.
تزوجت دونها….سامحتها… لكن لم أنسَ…بعد كل هذا…
أنجبت طفلًا…وتنتظر مني اتصالًا….والسؤال الآن ليس:
=من المخطئ؟ بل: هل الخذلان يُمحى بمكالمة؟ أم الاعتذار هو البداية الوحيدة الممكنة؟
**صديقة العمر… (الجزء الثاني)
مرّ عامان على زفافي….لم أعد تلك الفتاة المرتبكة التي تخاف الهاتف والرنين المفاجئ.
الديون انتهت، والبيت امتلأ بالهدوء، ورائف… لم يعد مجرد زوج، بل وطنًا صغيرًا أعود إليه كل مساء.
كنت أظن أن قصة مارينا انتهت…لكن بعض القصص لا تموت… فقط تصمت….في صباح عادي، أخبرتني زميلة قديمة:
مارينا خلّفت… وكانت زعلانة إنك ما سألتيش عليها..
لم أرد فورًا…لم أشعر بالغضب… فقط بشيء يشبه الإرهاق القديم وهو يحاول الاستيقاظ…تساءلت
هل عليّ أن أتصل؟ أم أن الصمت أحيانًا يكون أرحم من الكلمات المتأخرة؟….القرار
في تلك الليلة، حكيت كل شيء لرائف…لم يقاطعني.
وحين انتهيت، قال بهدوء: اعملي اللي يريح ضميرك… مش اللي يرضي الناس
كلماته كانت مفتاح القرار…اتصلت…رنّ الهاتف طويلًا… ثم جاء صوتها.
صوت أرهقته الأمومة المبكرة، لكنه لم يفقد حدّته.
— أيوه؟
— أنا…
صمتت لحظة…ثم قالت: افتكرتك مش هتتصلّي..
لم أبرر….لم أهاجم….قلت فقط: سمعت إنك خلّفتي… ألف مبروك. كنت حابة أطمن عليك..
ساد الصمت ثم… بكت..بكاء طويل، بلا دفاعات.
قالت أخيرًا: انا غلطت… بس كنت مكسورة
حكت….بعد زفافها، اكتشفت تأخر الحمل…ضغط أهل زوجها.
تغيّر زوجها…شعرت أن حياتها تنهار بينما حياتي في نظرها كانت تُبنى.
قالت:حسّيت إنك سبقّتيني… وأنا واقفة..
لم يكن تبريرًا….كان اعترافًا متأخرًا.
قلت لها بهدوء: أنا سامحتك من زمان… بس مش هقدر أرجّع اللي كان..
شرحت لها أن الصداقة التي تُهدد بيتًا… لا تعود كما كانت.
وأن الألم لا يُمحى بالندم وحده.
لم تجادل….قالت فقط: أنا استاهل خسارتك..
لم أنتصر عليها….ولم أنهزم.
هي كسبت طفلًا…وخسرت صديقة كانت ساترًا لها.
وأنا كسبت السلام…اتفقنا أن نبقى على مسافة محترمة.
لا خصومة… ولا عودة كاملة.
في تلك الليلة، نظرت إلى زوجي وهو نائم،وفهمت أخيرًا:
بعض النهايات العادلة لا تُصفّق لها الدنيا…لكن يبتسم لها القلب.
بالنهـايه علينا أن نعرف:
العدل ليس دائمًا
وفي أن تقول: «سامحت… لكن لن أعود كما كنت».
بعض الخيبات لا تُمحـى…لكنها تظل عالقـه بالذاكره وتسيـر الدنيا
..تمـت…حكايات اسما السيد