عندما خرجت من السجن
المحتويات
عندما خرجت من السجن ركضت إلى منزل والدي.
لكن زوجة أبي قالت لي ببرود دفن والدك منذ عام. نحن نعيش هنا الآن.
لم أتوقف لألتقط أنفاسي ولم أسمح للفكرة أن تكتمل في رأسي. خرجت من بوابة السجن كما يخرج من أعيد إلى الحياة فجأة مرتبكا خائفا من الفرح نفسه. الحرية التي حلمت بها طويلا بدت ثقيلة على صدري لأن أول ما فعلته بها كان الجري نحو أبي.
خلال سنوات السجن الظالم كان هو الثابت الوحيد في عالمي المتآكل. كنت أراه في أحلامي جالسا على عتبة البيت صامتا كعادته لكنه حاضر. لذلك حين استقليت أول حافلة عبر المدينة لم أفكر في شيء آخر. لم أسأل نفسي أين سأبدأ حياتي من جديد ولا كيف سأستعيد اسمي. كل ما أردته هو أن أطرق بابه.
جلست قرب النافذة أراقب الشوارع التي تغيرت دون إذني. الواجهات الجديدة اللافتات اللامعة والوجوه
توقفت أمامه أخيرا. الدرابزين الأبيض ما زال في مكانه لكنه بدا متعبا. الباب تغير والممر امتلأ بسيارات لا أعرف أصحابها. طرقت ويدي ترتجف ليس من التعب بل من خوف لم أسمه.
فتحت ليلى زوجة أبي. تجمدت ملامحها للحظة ثم استقرت على برود محسوب. لم تنظر في عيني مباشرة. نظرت خلفي كأنها تتأكد أنني وحدي ثم قالت الجملة التي شطرت صدري
دفن والدك منذ عام. نحن نعيش هنا الآن.
لم تدعني للدخول. لم تسألني كيف خرجت ولا ماذا فعل بي السجن. قدمت تعازيها كما يقدم بلاغ رسمي ثم أغلقت الباب بهدوء قاس كأنني لم أكن يوما جزءا من هذا المكان.
مشيت بلا وعي. لم أعرف كم ساعة مرت وأنا أتجول في الشوارع. كنت أشعر أن الأرض
عند المدخل أوقفني حفار قبور مسن. كان يرتدي زيا مهترئا لكن عينيه كانتا ثابتتين كأنهما تحفظان أسرارا كثيرة. نظر إلي طويلا ثم قال بهدوء غريب
لا تبحث عنه. الحاج محمود ليس هنا.
ظننت أنه أخطأ لكنه أخرج من جيبه ظرفا صغيرا من ورق كرافت ناولني إياه دون أن يشرح.
طلب مني أن أعطيك هذا عندما تأتي.
داخل الظرف كانت رسالة مطوية بعناية ومفتاح معدني ملصق ببطاقة بلاستيكية كتب عليها رقم وحدة تخزين بخط أبي. تجمدت يداي وأنا أقرأ التاريخ بعد ثلاثة أشهر من موعد الإفراج عني.
كتب أبي أنه يعلم أن أيامه معدودة وأن المرض جعله أسير الفراش. كتب أنه خاف
السطور الأخيرة كانت الأصعب. اعتذر لأنه لم يزرني ولم يدافع عني علنا لكنه أقسم أنه لم يشك بي لحظة. قال إن خوفه ومرضه قيداه لكن قلبه ظل واقفا إلى جانبي.
وفي النهاية طلب مني أن أذهب إلى وحدة التخزين
لأن هناك فقط تبدأ الحقيقة.
وقفت عند بوابة المقبرة والرسالة ترتجف بين يدي وأدركت أن موت أبي لم يكن نهاية القصة بل بدايتها الثقيلة.
كانت وحدة التخزين على أطراف المدينة في منطقة صامتة تشبه الفراغ بين فكرتين. صفوف طويلة من الأبواب المعدنية الرمادية متشابهة حد التطابق كأنها قبور بلا أسماء. توقفت أمام الباب الذي يحمل الرقم المكتوب بخط أبي.
متابعة القراءة