حين يُغلَق بابٌ في وجهك
حين يُغلَق بابٌ في وجهك… ليُنقذك الله من باب الهلاك
كان هناك دكان صغير يملكه تاجر غنم اسمه مراد بن ياسين رجل تجاوز الخمسين بقليل يعرفه أهل السوق بصدقه وأمانته وبأنه لا يرفع صوته على أحد ولا يطمع في رزق ليس له لكنه في ذلك الأسبوع كان يجلس على كرسيه الخشبي القديم ومن حوله قفف الحبوب وأكياس العلف وحبال تربط القطيع وقد علا وجهه كدر غليظ
ثلاثة أيام كاملة مرت ولم يبع غنمة واحدة وكان الزمن في تلك الأيام ثقيلاً كالجمر كلما مرّ عليه زاد حرارة وهمّاً وكان مراد يحدث نفسه فيقول ما بال الناس اليوم يمرون فلا يشترون ولا يسألون ولا يلتفتون كأن الرزق قد أدار وجهه عني في هذه الأيام
وفيما هو غارق في فكره إذ برجل غريب الهيئة يقبل عليه يقود خلفه عشرة أغنام لا تخفى على عينٍ خبيرة جودتها وأصالتها وقف الرجل أمام دكان مراد وقال بصوت واضح
ــ يا تاجر الغنم هل تشتري هذه الأغنام إنها للبيع عاجلاً
رفع مراد رأسه ونظر إلى القطيع نظرة العارف فقال
ــ ما شاء
ابتسم الرجل ابتسامة عريضة وقال
ــ ثمن يجعلك تنتفع وتربح فقد أعرضها عليك بثمن قليل جداً لأنني مستعجل على السفر
هنا شعر مراد أن رزق الأيام الثلاثة التي مرت قد جاءه كله في هذه اللحظة ذهب مسرعاً إلى درج النقود فتحه فإذا هو خاوٍ كأن الريح مرت فيه قبل لحظة قلبه انقبض وتنهّد تنهيدة طويلة ثم قال للرجل
ــ أعذرني أيها الرجل فليس معي ما يكفي لشرائها ولو كان عندي مال لابتعتها كلها دون تفكير
هز الرجل كتفيه وقال
ــ لا بأس يا صاحب الدكان سأعرضها على جارك فقد سمعت أنه يشتري نقداً
ثم أخذ القطيع واتجه إلى دكان يوسف الحداد وهو جاره في السوق وما هي إلا ساعة حتى عاد القطيع وقد أصبح ملكاً ليوسف فقد اشتراها كلها بنصف الثمن الذي تستحقه
جلس مراد في دكانه والرجل قد رحل والصفقة قد ضاعت وبدأ يحدث نفسه بكلمات كلها ضيق
ــ يا لسوء حظي يا لخيبة الأيام لماذا جفّ رزقي حتى لا أقدر على شراء قطيع كهذا لقد ذهبت
أغلق دكانه في ذلك اليوم وهو في قلبه حسرة تكاد تصرخ وذهب إلى بيته وملامحه ممتلئة حنقاً وحزناً وكان كلما تذكر القطيع ازداد ضيقاً
وفي صباح اليوم التالي عاد إلى سوقه قبل أن تشرق الشمس ليقف بملامح منهكة أمام دكانه ويقول في نفسه لو أنني اشتريت تلك الأغنام لو أن في صندوقي مالاً لو أنني لم أضيع تلك الصفقة كم سيربح يوسف اليوم من بيعها كم سيغتني بينما أنا هنا أعدّ خسائري
ولمّا التفت إلى دكان يوسف فوجده مغلقاً على غير عادته تردد في قلبه سؤال فأقبل على واحد من الجيران قائلاً
ــ لِمَ دكان يوسف مغلق هذا الصباح هل أصابه مكروه
نظر الجار إليه نظرة ثقيلة وقال بصوت خافت
ــ ألم تعلم بما جرى الليلة الماضية قبض حرس الملك على يوسف وقالوا إنه اشترى أغناماً مسروقة من مزرعة الملك نفسه وقد أصدر القاضي حكمه الليلة أن السارق يسجن ومن يشتري من السارق يعدم هذا هو قانون الملك ولن يُستثنى أحد
كادت قدما مراد تسقطان من
لم يتمالك نفسه خرّ ساجداً هناك في السوق يحمد الله ويشكره ويبكي بكاءً خافتاً كأن شيئاً ثقيلاً ارتفع عن صدره وقال في سجوده
ــ سبحانك يا رب ما أرحمك وما ألطفك كم من شهوة ظنناها خيراً ولو أخذناها لهلكنا بها كم من باب أغلقته علينا ظنناه شراً فإذا هو رحمة عظيمة
ثم جلس وأخذ يردد وهو يمسح وجهه
ــ ما كان منع الرزق إلا حماية وما كان إغلاق الباب إلا نجاة لو كان في صندوقي مال لهلكت كما هلك غيري الحمد لله الذي يصرف عنا ما لا نعلم خطره
إلى القارئ
ليس كل ما يُمنع عنك شراً ولا كل ما تحرم منه نقصاً أحياناً يبتعد عنك المال فتظن أن الدنيا ضاقت عليك وما هي إلا حكمة ربانية يدفع الله بها عنك بلاء لا تراه وأحياناً تُسد الأبواب في وجهك وما هي إلا رحمة تُبعد عنك طريقاً لو دخلته لضاع عمرك كله
فلا تندم على باب أغلق ولا