أخـتي طلبت مني أراعي بنتها في الويك إند، فخدتها مع بنتي على حمّام السباحة

لمحة نيوز

وفي أوضـة تغيير الملابـس، بنتي شهقت وقـالت: ماما! بصّي على ده؟! 

أخـتي طلبت مني أراعي بنتها في الويك إند. طلب عادي، بسيط، من النوع اللي بيتقال من غير تفكير.
وافقت فورًا. ليه لأ؟
ميا بتحب بنتي، وبنتي بتحبها. يومين لعب، شوية ضحك، وخلاص.
خدتها مع بنتي على حمّام السباحة.
الشمس كانت دافية، والمكان مليان حياة: ضحك، زعيق أطفال، موسيقى واطية، وأمهات ماسكين فوط وشنط تقيلة.
كل حاجة كانت طبيعية… عادية زيادة عن اللزوم.
دخلنا أوضة تغيير الملابـس.
ريحة كلور، بلاط ساقع، مرايات كبيرة، وسيشوار صوته عالي.
كنت بسرّع البنات علشان نلحق المية قبل ما الزحمة تزيد.
فجأة، بنتي شهقت.
شهقة قصيرة، حادة، قطعت كل الأصوات حواليّ.
— ماما! بصّي على ده؟!
لفّيت بسرعة.
كانت واقفة ورا ميا، صباعها مرفوع، عينيها متوسعة أكتر من وشها الصغير.
رفعت حمالة مايوه بنت أختي…
واتجمدت في مكاني.
مش تجمّد مجازي.
لأ.
جسمي فعلًا وقف.
نفسي اتقطع.
ودماغي فاضية… إلا من صوت واحد جوّه رأسي بيصرخ:
لا… لا… لا.
كان في

شريط طبي.
لسه جديد.
أبيض نضيف.
متركّب بعناية تخوّف، مش عشوائي.
وتحت الشريط مباشرة… جرح.
جرح صغير.
خياطة دقيقة، مستقيمة، كأن اللي عملها إيده ثابتة وما بترتعش.
الجلد حواليه محمّر ولسه طري.
جرح قريب… قوي.
مش قديم.
مش وقعة.
مش خبطة لعب.
مش شقاوة أطفال.
ده جرح متقصود.
متخطّطله.
حسيت معدتي بتقع.
إيدي رعشت وأنا لسه ماسكة حمالة المايوه.
حاولت أبلع ريقي… ما عرفتش.
— وقعتِ يا ميا؟
طلّعت صوتي بالعافية.
حاولت أبتسم.
الابتسامة طلعت مكسورة.
ميا هزّت راسها لأ.
حركة صغيرة… بس حاسمة.
حركة ما فيهاش تردد.
قربت مني خطوة.
كأنها بتستخبى في صدري.
وبصوت واطي قوي، وسط دوشة السيشوار وصريخ الأمهات، همست:
— مش حادثة.
الكلمة نزلت عليّا تقيلة.
تقيلة لدرجة إني حسيت الأرض بتميل.
— كان بيوجع؟
سألتها، وأنا بتمنى… بتوسل… أسمع “لا”.
بلعت ريقها.
وبصّت ناحية الباب.
نظرة طفلة مستنية حد يدخل فجأة وينقذها.
فضلت تلف في طرف القماشة بإيديها الصغيرة.
لف… لف… لف.
وقالت:
— شوية… بس قالولي أستحمل.
قالولي.
الكلمة
دي جرحتني أكتر من الخياطة نفسها.
قالولي… يعني أكتر من شخص.
يعني حد كبير.
يعني مافيش اختيار.
— مين قالك كده؟
صوتي كان واطي قوي.
هادي زيادة عن اللزوم.
الصوت اللي بيطلع لما الواحد خايف ينهار.
ما ردتش.
ولا كلمة.
بس كتافها الصغيرين اتحركوا حركة خفيفة.
وبصّت في الأرض.
في اللحظة دي، كلوي، بنتي، مسكت في هدومي.
كانت سبع سنين.
لسانها دايمًا شغال.
أسئلة مالهاش آخر.
بس المرة دي…
سكتت.
قربت مني وهمست بصوت مكسور:
— ماما… هي عملت حاجة وحشة؟
السؤال وجعني أكتر من أي إجابة.
ما قدرتش أرد.
لو فتحت بقي، كنت هعيّط.
وميا ما كانش لازم تشوف ده.
لمّيت المايوه بسرعة.
نزلت الحمالة مكانها كأن ولا حاجة حصلت.
إيدي كانت تقيلة.
قلت للبنات بابتسامة مصطنعة:
— خلاص يا حبايبي، نلبس ونطلع، الجو برد شوية.
خرجنا من أوضة تغيير الملابس.
الشمس كانت لسه ساطعة.
الضحك حوالينا طبيعي.
ناس بتتصوّر.
أطفال بتجري.
الدنيا مكملة…
وأنا حاسة إني لوحدي في فيلم تاني.
مسكت مفاتيحي.
القرار اتاخد جوايا من غير تفكير.
مستشفى.

دلوقتي.
ما ينفعش أستنى.
ما ينفعش أصدّق أي حد.
ما ينفعش أسيب جرح بالشكل ده من غير طبيب.
ركبت البنات العربية.
ربطتلهم الأحزمة بإيدين بتترعش.
سُقت.
ودقات قلبي أعلى من صوت الموتور.
كل إشارة كانت مستفزة.
كل ثانية كانت تقيلة.
بعد عشر دقايق بالظبط،
التليفون نور.
رسالة من أختي، لورين:
«لفّي وارجعي. دلوقتي.»
وقفت العربية على جنب الطريق.
إيدي كانت عايزة تقع من على الدركسيون.
بصّيت لميا في المراية.
كانت ساكتة.
هادية زيادة عن اللزوم.
حضنة شنطتها الصغيرة كأنها بتحضن نفسها.
ساعتها افتكرت رسالة لورين ليلة الجمعة.
بعتتها كأنها حاجة عادية جدًا:
«ممكن تخدي بالك من ميا الويك إند ده؟
أنا مش قادرة أتنفس.»
وقتها ما سألتش ليه.
وقتها قلت لنفسي:
ضغط شغل.
إرهاق.
أمومة.
افتكرت الصبح،
وأنا بحضّر شنطة السباحة.
سناكس.
واقي شمس.
فوَط.
وكل التفاؤل اللي بييجي لما تكون فاكر
إن أكبر مشكلة هتبقى
شعر مبلول في العربية.
ماكنتش أعرف…
إن في جرح مستخبي تحت مايوه طفلة.
وإن في سر اتدفن تحت شريط طبي.
وإن الحقيقة
مستنياني
في أوضة تغيير ملابس مليانة دوشة…
علشان تطلع.
وتضربني في وشي.
وتكسر
كل حاجة
كنت فاكرة
إنها آمنة… التالي
https://pub153.lamha.news/63810
 

تم نسخ الرابط