تركتني أمي ومعي ورقة نقدية مجعدة من فئة العشرين دولارًا
ذهبت أمي إلى أوروبا لمدة شهر وتركتني ومعي عشرون دولارا فقط حين كنت في الحادية عشرة من عمري. وعندما عادوا أخيرا ما رأته أمي جعلها تلهث فزعا. لا لا هذا لا يمكن أن يكون يحدث.
اسمي سيدني. عمري أحد عشر عاما وفي الصيف الماضي انتهت طفولتي بورقة نقدية مجعدة من فئة العشرين دولارا وبكلمة واحدة كان طعمها كالرماد في فمي مستقلة.
أنت مستقلة الآن قالت أمي بابتسامة مشرقة لكنها هشة وهي تجر حقيبة سفرها الضخمة من نوع سامسونيت نحو الباب. لم تعودي طفلة يا سيدني. اطلبي طعاما إذا احتجت. أنا ذاهبة إلى أوروبا لشهر. سأعود قبل أن تشعري بالوقت.
مستقلة.
وقفت متجمدة في مدخل البيت أحدق في الورقة النقدية في كفي. عشرون دولارا. لثلاثين يوما. بلا أرقام طوارئ. بلا ثلاجة ممتلئة. ولا حتى وداع حقيقي. فقط صوت كعبي حذائها يطرق أرضية الخشب وصوت حقيبتها تتدحرج في الممر كالرعد.
أغلق الباب الأمامي في وجهي.
قلت بصوت مسموع للممر الفارغ سأكون بخير وأنا أختبر ثقل الكذبة.
هرعت إلى المطبخ. كانت الثلاجة أرضا قاحلة عبوة حليب حامض ومرطبان مخللات.
وفي الخزانة علبة ذرة كريمية وعلبة تونة منبعجة. التف الخوف حصريا على صفحه روايات واقتباسات في قاع معدتي باردا وثقيلا. لقد رحلت حقا. وبقيت وحدي في هذا البيت الكبير وبمعدة خاوية.
إن كانت تعتقد أن الاستقلال يعني ترك ابنتها تتضور جوعا بينما تجوب هي أوروبا فربما كان عليها أن ترى كيف يبدو هذا اللفظ على حقيقته.
ومع تقدم الأيام تبخرت العشرون دولارا. نفد الطعام. وتحول الصمت في بيتنا إلى شيء أشد قتامة من الوحدة. لكنني لم أنهر. فعلت شيئا آخر.
وعندما عادت أخيرا سمراء متوهجة ما وجدته ينتظرها على طاولة المطبخ جعلها تسقط أكياس الهدايا التذكارية وتهمس برعب خالص
لكنني أسبق الأحداث.
هل تريد أن تعرف كيف تحول تركي بعشرين دولارا في سن الحادية عشرة إلى القرار الوحيد الذي جعل أمي تندم على كل ما فعلته بي
ابق معي.
فالانتقام ليس دائما صاخبا.
أحيانا لا يكون سوى صوت قلم يخدش الورق.
ظهرت المشكلة الأولى بعد نحو عشر دقائق من ابتعاد سيارة الأجرة.
كانت أمي قد ألقت بطاقة ائتمان طوارئ لامعة على الطاولة كأن ذلك سيصلح كل شيء.
للاحتياط قالت.
لكن كان هناك قيد واحد.
لم تكن مفعلة.
ولم أكن أعرف الرقم السري.
اكتشفت ذلك بالطريقة الصعبة وأنا أقف عند الباب والهاتف في يدي أحاول طلب بيتزا.
شاهدت تطبيق التوصيل يرفض البطاقة مرارا وتكرارا.
تم رفض العملية. رقم سري غير صالح.
وهكذا لم يبق سوى أنا وبطاقة ميتة وعشرون دولارا.
في اليومين الأولين حولت الأمر إلى لعبة.
كنت أقطع الخبز إلى شرائح رفيعة جدا حتى يمكن رؤية الضوء من خلالها.
وأفرد زبدة الفول السوداني بدقة جراح متأكدة أنها بالكاد تغطي السطح.
قلت لنفسي إن الناجين الحقيقيين يجعلون الأشياء تدوم.
بل مزحت في رأسي بأن هذه ستكون قصة جيدة يوما ما في سيرتي الذاتية.
بحلول اليوم الثالث لم يعد الأمر مضحكا.
بدت الخزانة كصورة قبل في إعلان عن الجوع.
علبة حبوب فيها هواء أكثر من رقائق.
ومرطبان مخللات كنت أكرهه.
قرقرت معدتي بصوت عال كفاية ليحرجني رغم أنه لم يكن هناك أحد ليسمعه.
حاولت تشتيت نفسي.
شغلت التلفاز وتركت برامج عشوائية تعمل يملأ ضجيجها الغرفة حتى لا أسمع صرير البيت.
فتحت حاسوب أمي المحمول وحدقت في رسائل عملها الإلكترونية المتراكمة كأنها أهم من أي شيء آخر في العالم.
في لحظة ما أمسكت بدفتري الحلزوني ذاك الذي على غلافه وحيد قرن وكتبت بأحرف كبيرة في أعلى الصفحة
أدلة
وتحتها
تركت وحدي في سن 11.
20 دولارا.
لا خطة طعام.
لا تواصل.
لم أكن أعرف بالضبط ماذا سأفعل بذلك لكن تدوينه حرك شيئا في داخلي.
إن كانوا يظنونني كبيرة بما يكفي لأكون وحدي فأنا كبيرة بما يكفي لأتذكر كل شيء.
ولأسجل كل شيء.
ولأري أحدا يوما ما كيف اختاروا عطلة على حسابي.
أمسكت هاتفي وفتحت تطبيق الفيديو.
ضغطت على تسجيل.
اليوم الثالث قلت للكاميرا بهدوء.
بدا وجهي أصغر مما توقعت شاحبا ومنقبضا.
ما زلت وحدي. البطاقة لا تعمل. أكلت آخر شيء صالح في الثلاجة أمس.
توقفت لحظة أبتلع الغصة في حلقي.
إذا كنت تشاهدين هذا فهذا يعني أن أحدا سأل أخيرا عما حدث لي.
حفظت المقطع وأغلقت هاتفي وقلبي يخفق بعنف.
جزء مني تمنى ألا يراه أحد أبدا.
وجزء آخر أراد أن ينفجر ذلك الفيديو في وجه أمي حين تعود.
فكرت في أعز صديقاتي إيما وترددت فوق اسمها في جهات الاتصال.
لو أرسلت لها رسالة لكان علي أن أعترف بأن أمي تركتني وبأنني جائعة وبأنني لست بخير.
بدلا من ذلك أرسلت رسالة عادية
كيف كانت رحلتك
لا رد.
ربما كانت قرب بحيرة تأكل البرغر مع عائلتها ولا تتحقق حتى من هاتفها.
التوى معدتي حسدا.
بحلول اليوم الخامس صار الجوع كضباب حول عقلي.
بدأت أشعر بالدوار إذا وقفت بسرعة.
وجدت علبة حبوب شبه فارغة في مؤخرة الخزانة رقائق فاكهة يابسة فأكلتها جافة من الكيس محاولة أن أجعل كل قبضة تدوم.
فتحت دفتري مجددا وأضفت سطرا آخر
اليوم الخامس لا اتصال من أمي بعد. ولا حتى رسالة.
ثم سطرا آخر
إذا اختفيت فسيثبت هذا أن الأمر لم يكن خطئي.
في تلك اللحظة تغير تفكيري.
لم يعد الأمر مجرد البقاء حتى عودتها.
صار يتعلق بما سيحدث لها عندما يدرك الناس أخيرا ما فعلته.
في اليوم السابع كان جسدي ضعيفا لكن غضبي كان
كان يحترق في صدري كجمرة حارة تبقيني متحركة.
تقدمت إلى النافذة الأمامية وتطلعت إلى الشارع.
أطفال يركبون الدراجات.
كلب ينبح على شاحنة توصيل.
زوجان يمران حاملين أكواب القهوة ويضحكان.
حيوات طبيعية.
آباء طبيعيون.
نظرت إلى مدخل سيارتنا الفارغ وهمست
اخترت أوروبا بدلا مني. هل تعرفين كم سيكلفك ذلك
وكأن الكون كان يصغي رن جرس الباب.
تجمدت.
كانت فتات الحبوب لا تزال على أصابعي.
لم يكن أحد يرن جرس بابنا عادة.
أطفال الجيران يطرقون والطرود تترك وتذهب.
رن الجرس مرة أخرى ثم تلاه ثلاث طرقات حادة.
خفق قلبي وأنا أتحرك نحو الباب.
للحظة فكرت في التظاهر بأنني لست في البيت.
إن كان بائعا فسيرحل.
لكن فكرة أخرى اخترقت خوفي
ماذا لو كان هذا هو الحدث
ماذا لو كانت هذه اللحظة التي يراني فيها أحد أخيرا
بيد مرتجفة أمسكت بالمقبض.
لو كنت في الحادية عشرة جائعة ووحيدة تماما هل كنت ستفتح الباب
أم تواصل التظاهر بأن كل شيء بخير
فتحت الباب قليلا لأرى من هناك.
كان يقف على الشرفة رجل يرتدي سترة ريحية خضراء وعلى صدرها شعار مدرستي مطرزا.
احتجت ثانية لأتعرف إليه من دون الصف خلفه.
مرحبا يا سيدني قال بلطف.
كان السيد هيوز المرشد المدرسي.
كنت أحاول التواصل مع والديك قال وهو يقطب جبينه.
لم يجيبا. هل يمكنني الدخول قليلا
كان رد فعلي الأول أن أكذب.
أن أقول إن كل شيء بخير وإن والدي خرجا لقضاء بعض الحاجيات وإنني لا أحتاج شيئا.
لكن يدي تراخت على الباب وتراجعت خطوة.
بالطبع تمتمت. أظن ذلك.
دخل ونظر حوله.
صار الصمت في البيت أثقل فجأة خانقا.
الأطباق المتراكمة في المغسلة الطاولة الخالية ووعاء الفاكهة الذي لم يبق فيه سوى برتقالة ذابلة
كلها صارت أدلة لم أقصد عرضها لكنها انكشفت صدفة.
هل والداك
هما في أوروبا قلت مفاجئة