عمرى 65 عاماً وأنفصلت عن زوجي قبل 5 سنوات
ترك لي طليقي بطاقة بنكية فيها مبلغ 30000 .. لم أستخدمها قط. بعد خمس سنوات، عندما ذهبت لسحب المال... تجمدت في مكاني مما رأيته
بداية القصة
بعد 37 عاماً من الزواج .. هجرني الرجل الذي شاركت معه معظم حياتي
في يوم الطلاق، ناولني طليقي بطاقة بنكية
قال بهدوء:
"ها هي فيها مبلغ 30000 ستكفيكِ لبضعة أشهر."
قالها وكأنّ تلك السنوات ال 37 التي قضيناها معا لا تساوي سوى هذا القدر
وكأنني شيءٌ قديمٌ لا فائدة منه
رأيته يستدير ويغادر محكمة الأسرة دون أن يلتفت
شعرت بغصة في حلقي كادت تخنقني.
احتفظتُ بالبطاقة
ليس لأنني كنت بحاجةٍ إليها...
بل لأنها كانت كشوكة في قلبي
بعد الطلاق، عشتُ في غرفةٍ صغيرة على أطراف المدينة.
نجوت وأشتغلت وعملت ما بوسعي من تنظيف المنازل، وجمع الزجاجات البلاستكية من الشارع
كانت تلك أصعب سنوات حياتي.
عدة مراتٍ عانيت من الجوع.
عدة ليالٍ نمت فيها جائعةً.
لكنني لم ألمس تلك البطاقة البنكية التى بها ال 30000.
ليس لأنني كنتُ فخورةً...
بل لأنني لم أُرِد أن ألمس شيئًا شعرتُ أنه صدقة.
كرهتُ تلك البطاقة.
كرهتُ الشعور بالهجر.
كرهتُ الشعور بأنني، بعد عمرٍ طويل، مجرد عبء.
مرّ الوقت ببطء، كسكينٍ كليلة، تقطع ببطءٍ ولكن بعمق.
شاخ جسدي بسرعة
كانت هناك أيامٌ كان فيها النهوض من الفراش معركةً شاقة.
كان أبنائي يزورونني بين الحين والآخر، ويتركون لي بعض المال، لكن لكلٍّ
لم أخبرهم قط عن آلامي أو دواري.
لم أُرِد أن أكون مصدر قلقٍ آخر
حتى جاء ذلك اليوم...
أُغمي علي أمام باب غرفتي ونقلنى الناس للمستشفى
كان الطبيب واضحا:
"سوء تغذية حاد. أنتِ بحاجةٍ إلى علاج. دخول المستشفى."
عرفتُ أنه لا خيار لي.
لأول مرةٍ منذ خمس سنوات، فكرتُ في تلك البطاقة.
"لا يوجد بها سوى 30000 ... لكنها على الأقل ستساعدني لبضعة أيام."
في صباح اليوم التالي، ذهبتُ إلى البنك
كانت يداي ترتجفان وأنا أُسلّم البطاقة للموظفة الشابة.
" أريد سحب المبلغ كاملاً، من فضلك من حساب هذه البطاقة"
كنت أتخيل نفسي أغادر ومعي بعض الأوراق النقدية، عائدةً إلى حياتي البائسة
لكن الفتاة حدّقت في الشاشة... لفترة طويلة.
ثم نظرت إليّ.
كانت عيناها مليئتين بالدهشة.
سيدتي…
ابتلعت الموظفة ريقها قبل أن تُكمل، كأن الكلمات تثقل لسانها:
الرصيد ليس ثلاثين ألفًا.
تجمّد الدم في عروقي.
رفعت رأسي ببطء وسألت:
إذن… كم المبلغ؟
لم تُجب. اكتفت بطباعة كشف الحساب، ثم دفعته نحوي من خلف الزجاج الشفاف.
أمسكت الورقة، وما إن وقعت عيناي عليها حتى شعرت بأن الزمن قد انكسر فجأة.
٩٨٣٬٠٠٠.
رقم واحد، لكنه كان كفيلًا بأن يربك كل ما أعرفه.
شهقت، وعدت أقرأه مرة أخرى، ثم ثالثة، كأنني أبحث عن خطأ مطبعي أو وهمٍ بصري.
لكن الرقم ظل ثابتًا، صامتًا، وقاسيًا في وضوحه.
سألت بصوتٍ بالكاد خرج:
من… من أودع هذه الأموال؟
أدارت
اسم أعرفه جيدًا…
اسم حاولت نسيانه طويلًا.
أحمد.
تحويلات شهرية.
منتظمة.
دقيقة.
لم يفُت شهر واحد طوال خمس سنوات كاملة.
خرجت من البنك وأنا أشعر بأن الأرض لم تعد صلبة تحت قدميّ.
عدت إلى المنزل في صمتٍ ثقيل، كأن الكلام صار عبئًا أكبر من احتماله.
لم أنم تلك الليلة.
حدّقت في السقف، أعدّ الشقوق، وأبكي بصمتٍ حتى جفّت دموعي.
تدفقت الذكريات رغما عني.
نظراته الحزينة التي كنت أتجاهلها.
صمته الطويل الذي كنت أفسّره بالبرود.
الليالي التي كان يسهر فيها وحده، وأنا أظنه لم يعد يرغب في الحديث معي.
سؤال واحد ظل يطاردني بلا رحمة:
هل تركني لأنه لم يعد يحبني؟
في الصباح، حزمت حقيبتي، كأن قلبي هو من اتخذ القرار نيابةً عني.
سافرت إلى البلدة الصغيرة التي تعيش فيها أخته الكبرى، زينب، قرب حقول الذرة الممتدة حتى الأفق.
وقفت أمام البيت القديم، وناديت بصوتٍ متردد:
زينب… هل أنتِ هنا؟
فتحت الباب، وما إن رأتني حتى اغرورقت عيناها بالدموع.
ضمّتني دون كلمة، وكأنها كانت تنتظرني منذ زمن.
همست:
مريم…
ابتعدت قليلًا وسألتها مباشرة، بلا تمهيد ولا مجاملات:
أين أحمد؟ أريد أن أراه.
ساد صمت ثقيل.
لم تُجب.
دخلت الغرفة، ثم عادت تحمل صندوقًا خشبيًا صغيرًا. كانت يداها ترتجفان، وعيناها معلقتين بالأرض.
قالت بصوتٍ مكسور:
أحمد… توفّي.
لم أفهم الكلمة في البداية.
بدت غريبة، بعيدة، كأنها لا تخصّني.
ثم فجأة… شعرت بأن قلبي يُنتزع من صدري.
لا… هذا مستحيل… لقد مضى وقتٌ قصير فقط.
بكت زينب، وقالت:
كان مصابًا بالسرطان في مراحله الأخيرة… قبل الطلاق بمدة. عرف الحقيقة مبكرًا، واختار الصمت.
انهار عالمي في لحظة.
تابعت وهي تمسح دموعها:
لم يُرِدك أن تعتني به، ولا أن تقضي سنواتك الأخيرة تراقبين الرجل الذي تحبينه وهو يذبل أمامك. قال إنكِ تستحقين حياة لا يملؤها الخوف.
مدّت إليّ الصندوق قائلة:
هذا لكِ. أوصاني ألا أُعطيكِ إيّاه إلا إذا جئتِ بنفسك.
فتحته بيدين مرتجفتين.
في داخله رسالة واحدة، بخط أعرفه… بخطٍ كنت أظنه صار من الماضي.
مريم،
حين تقرئين هذه الكلمات، لن أكون هنا.
سامحيني على رحيلي القاسي، فقد آلمني أكثر مما تتخيّلين.
لم أردكِ إلى جواري وأنا أذبل يومًا بعد يوم.
أردتكِ حرة، حيّة، بلا قيود المرض والخوف.
هذه الأموال حتى لا ينقصك شيء، وحتى لا تشعري يومًا بأنني تركتكِ فارغة اليدين.
عيشي، وابتسمي، ولا تبحثي عن مسامحتي… يكفيني أن تكوني سعيدة.
ولو كُتبت لي حياة أخرى، لاخترتكِ من جديد.
سقطت على ركبتيّ.
بكيت كما لم أبكِ من قبل.
كرهته للحظة… لأنه كان يصارع الموت وحده، ويرسل لي المال شهرًا بعد شهر، بينما كنت أظنه قد تخلّى عني بلا سبب.
لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
لقد أحبّني بقدرٍ جعله يختار الوحدة بدل أن يراني أنطفئ معه.
في تلك الليلة، وضعت صورته على مذبح العائلة.
لمست إطارها،
لم يتركني أحمد…
لقد سبقني فقط،
وترك لي قلبه حيًّا،
في كل تفصيلةٍ من حياتي القادمة.