سـافر اخي إلي الخارج ولما عاد بعد 10 سنوات
سـافر اخي إلي الخارج ولما عاد بعد 10 سنوات لم يجد الي بيتا مهجورا حتى الذكريات التي صنعناها معا قد ذاب اثرها ليصبح خرابـا…
قبل 10 سنوات تركنا اخي البالغ 18 عاما حينها انا وابي وامي بعد سنواتٍ من الجدال والشجار بين ابوينا من أجل تحقيق حلم السفر ..ولما عاد لم يجد اثر لابوينا..مازن اخي عاش طيـلة حياته يحلم بالرحيل عن الوطن..طيلة سنواته الثامنه عشر السابقه كان يري اصدقاء الدراسه يرحلون واحدا خلف الآخر أنه حلم الغربه اللعين…
وعلى لسانه كلمة واحده سارحل الان واعود اكتر ثراء..ستحل جميع مشاكلنا…هيهات ..
====== سلسلة حكايات اسما السيد حصري
اللهم صلِّ على محمد
منذ عشر سنوات بالضبط وقف مازن عند باب البيت يحمل حقيبة أكبر من عمره وأحلامًا أثقل من كتفيه، كان في الثامنة عشرة لكن عينيه كانتا تشبهان عيون رجال أنهكهم الانتظار، لم يكن يرى في البيت سوى جدران تضيق يومًا بعد يوم، ولا في الوطن سوى محطة مؤقتة يجب الهروب منها بأي ثمن، أما نحن فكنّا نراه طفلًا يتعجل الرجولة قبل أوانها.
لم يكن حلم السفر وليد يوم أو شهر، كان يكبر معنا عامًا بعد عام، يتغذى على حكايات العائدين في الإجازات، على الصور اللامعة، على السيارات التي تقف فجأة أمام بيوت لم تكن تعرف إلا الدراجات، كان مازن يعود من المدرسة حاملاً أسماء جديدة سافرت، وأحلامًا قديمة لم تتحقق، وكلما سافر صديق زادت نبرته حدة وكأن
البيت لم يعرف الهدوء في تلك السنوات، أبي كان يؤمن أن الرزق بيد الله وأن الغربة قاسية، وأمي كانت ممزقة بين خوفها عليه ورغبتها في أن تراه سعيدًا، أما أنا فكنت أقف في المنتصف أراقب شجارًا يتكرر بنفس الكلمات ونفس النهاية، ومازن يردد جملته المحفوظة: هسافر وأرجع أغنى واحد فيكم، وكل حاجة هتتحل.
كلمة “هيتحل” كانت أكبر كذبة صدقناها جميعًا، أو تظاهرنا بذلك، حتى جاء اليوم الذي انكسرت فيه مقاومة أبي، ليس اقتناعًا بل تعبًا، تعب من الشجار، من رؤية ابنه يذبل وهو بيننا، فباع ما يستطيع بيعه، واستدان ما لا يقدر على سداده، فقط ليشتري لمازن تذكرة أمل.
يوم السفر كان أثقل من قدرتنا على الاحتمال، أمي كانت تبكي بصمت، أبي يحاول أن يبدو قويًا، وأنا أراقب أخي وكأنني أودعه إلى حرب لا نعرف إن كان سيعود منها، مازن لم ينظر خلفه، كان يخشى أن يضعف، كان يظن أن الحنين فخ وأن الوطن قيود، ولم يكن يعلم أن بعض القيود حين تُكسر تترك جرحًا لا يُشفى.
مرت الشهور الأولى سريعة، اتصالات قصيرة، كلمات مطمئنة، ضحكات مصطنعة، كان يقول إن كل شيء بخير وإنه بدأ العمل وإن القادم أفضل، وأمي كانت تتشبث بتلك الكلمات كأنها طوق نجاة، أما أبي فكان يكتفي بالصمت، كأنه ينتظر ما يعرف أنه قادم.
ثم بدأت الاتصالات تقل، وصار صوته متعبًا، لم يعد يتحدث عن الثراء بل عن الصبر، وعن الأيام التي تمر بطيئة، وعن الغربة
مرت السنوات، ومازن لم يعد، أرسل مالًا أحيانًا، بالكاد يكفي الديون، ثم انقطعت التحويلات، قال إن العمل توقف، ثم قال إنه سيعوض، ثم ساد الصمت، صمت طويل يشبه الغياب، وأبي كبر سريعًا، المرض دخل البيت بلا استئذان، وأمي صارت أضعف، وأنا صرت المسؤولة قبل أن أتعلم كيف أكون قوية.
في العام السابع سقط أبي، لم يحتمل قلبه أكثر، رحل وهو ينظر إلى الباب كأنما ينتظر عودة لن تأتي، لم نخبر مازن فورًا، لا أدري لماذا، ربما لأننا كنا ننتظر أن يكون خبر الفرح سابقًا للحزن، لكنه لم يأتِ، وحين أخبرناه بعد أشهر كان صوته مكسورًا، قال لو كنت هنا، لكن “لو” لم تعُد تعيد أحدًا.
بعدها بعامين لحقت به أمي، ذبلت ببطء، كانت تذكر مازن كل يوم، تترك له الطعام كأنها تنتظر دخوله، وحين رحلت شعرت أن البيت صار فارغًا من الروح، لم يتبقَّ سوى الذكريات، وأنا وحدي أعيش بينها.
ثم جاء اليوم الذي عاد فيه مازن.
عشر سنوات كاملة مرّت، عاد بملامح رجل أكبر من عمره، يحمل حقيبة أقل من التي سافر بها، وقف أمام البيت الذي خرج منه شابًا فلم يجده كما تركه، الجدران متشققة، النوافذ مكسورة، الباب موصد بالصدأ، لم يكن بيتًا بل أطلال.
وقف طويلًا لا يعرف هل يطرق أم يبكي، سأل الجيران، فخفضوا عيونهم، عرف الحقيقة دفعة واحدة،
جلس على الأرض حيث كان يجلس أبي، لمس الحائط الذي كانت أمي تسند ظهرها إليه، بكى كما لم يبكِ من قبل، ليس لأن البيت تهدم، بل لأن الزمن لم ينتظره، لأن الوطن الذي هرب منه لم يكن عائقًا بل كان الح.ضن الأخير.
جلسنا معًا تلك الليلة، لم نتحدث كثيرًا، الكلمات كانت عاجزة، أخبرني عن الغربة، عن العمل الشاق، عن الوحدة، عن المال الذي جاء متأخرًا، عن النجاح الذي لم يشبه الفرح، قال لي كنت فاكر إن السفر هيحل كل حاجة، بس اكتشفت إنه بيحل حاجات ويكسر حاجات أهم.
مازن لم يعد ذلك الشاب الذي خرج حالمًا، عاد رجلًا يحمل ندمًا ثقيلًا، لكنه عاد أخيرًا، وإن كان متأخرًا، وقف أمام قبر أبي وأمي وقال آسف، كلمة صغيرة لكنها خرجت من قلب منهك.
اليوم يعيش مازن هنا، لا غنيًا ولا فقيرًا، يعيش محاولًا أن يصنع معنى لما تبقى، يعيد ترميم البيت لا ليعيش فيه بل ليحفظ ما تبقى من الذكريات، تعلم أخيرًا أن الوطن ليس مكانًا نهرب منه، بل شيء إن ضاع لا يُعوَّض، وأن الغربة ليست في السفر، بل في أن تعود ولا تجد من كنت تسافر لأجله.
وتلك هي الحقيقة التي لم يفهمها إلا بعد عشر سنوات…
أن بعض الأحلام حين تتحقق، تكتشف أنها كانت طريقًا للفقد لا للنجاة…