فأما اليتيم فلا تقهـر حكايات اسما السيد حصري
يا أمي لماذا تركتنا نحن جائعان جدا
طفلان وحيدان ضائعان يبكيان بجوار قبر امهما تبكي الصغيره يا امي لماذا تركتينا نحن جائعان جدا..
المطر قد غسل التراب فوق القبور فصار الطين لزجا يلتصق بأقدام طفلين نحيلين يقفان وحيدين في آخر المقبرة لا شمس تواسيهما ولا بشر يلتفتون إلى بكائهما. كانت الصغيرة تضرب الأرض بكفيها المرتعشتين وصوتها المبحوح يخرج كأنه آخر ما تبقى من روحها
يا أمي لماذا تركتنا نحن جائعان جدا
لم تكن تنادي قبرا كانت تنادي حضنا رائحة ثوب يدا كانت تعرف كيف تسكت الجوع قبل أن يصل إلى القلب!
ماتت الأم ولم تمت الحكاية ماتت خديجة وهي واقفة في الحياة حتى آخر لحظة امرأة أنهكها الفقر ولم يكسرها اشتغلت خادمة في بيوت لم تر فيها سوى ظهور الناس تحمل كنسها وكرامتها معا وتعود ليلا بكسرة خبز وابتسامة مصطنعة كي لا يرى طفلاها الخوف في عينيها. كانت تعرف أن المرض يأكل صدرها ببطء وتعرف أن الشكوى تكلف أكثر مما تملك فصمتت لأن الصمت أحيانا يكون آخر أشكال
بعد دفنها اكتشف الطفلان أن العالم أوسع من أن يرحمهما وأضيق من أن يحتملهما. أغلق البيت الصغير بالشمع الأحمر وطردا من العتبة بسبب دين قديم ناما أول ليلة بين القبور واحتضن سالم أخته بجسده الصغير يحاول أن يكون رجلا قبل أوانه بينما كانت مريم ترتجف وتسأل عن أمها كأنها ستخرج من التراب وتعتذر عن التأخير. الجوع لم يكن ألم المعدة فقط كان شعورا بالخذلان بأن أحدا لا يرى بأن البكاء لا يصنع معجزة.
كبر سالم في أيام لا في سنوات. تعلم أن الرغيف لا يعطى بل يؤخذ بثمن فدخل سوق الماشية يعمل عند رجل يلبس لباس التقوى ويخفي تحتها قسوة الحجر يدعى الشيخ عمران رجل كان يربح من تعب الآخرين ويبتسم للناس في الصلاة.
كان يضرب سالم إذا أخطأ ويخصم من أجره الوهمي إذا تعب وكان سالم يصمت لأن الصمت أقل وجعا من الجوع ويعود كل مساء إلى أخته بشيء يسد رمقها ووعد كاذب بأن الغد أفضل.
لم يكن الغد أفضل لكنه كان كاشفا. الي ان جاء يوم حدثت معجزه وصدمه و امرأة عجوز رأت الطفلين
كان المطر قد غسل التراب فوق القبور فصار الطين لزجا يلتصق بأقدام طفلين نحيلين يقفان وحيدين في آخر المقبرة لا شمس تواسيهما ولا بشر يلتفتون إلى بكائهما. كانت الصغيرة تضرب الأرض بكفيها المرتعشتين وصوتها المبحوح يخرج كأنه آخر ما تبقى من روحها
لم يكن الغد أفضل لكنه كان كاشفا. امرأة عجوز رأت الطفلين ذات صباح فارتعش قلبها قبل يدها وعرفت في ملامحهما حكاية قديمة حاولت القرية نسيانها. قالت لسالم بصوت خافت إن أباه لم يمت كما قيل وإن الشهادة زورت وإن الاسم الذي ظنه ملجأه هو ذاته الذي قتل والده وإن أمه كانت تعرف لكنها اختارت أن تعيش وتموت وهي تحميهما من نار الحقيقة. في تلك اللحظة لم يبك سالم لأن بعض الدموع إذا نزلت لا تعود.
انكسر شيء داخله لكنه لم يسقط. واجه الشيخ عمران فأنكر واتهمه بالسرقة وطرده شر طردة ثم اختفت
وقف الشيخ عمران أخيرا أمام ما هرب منه طويلا لم تحمه العمامة ولا كثرة المصلين خلفه خرجت الحقيقة عارية وشهدت القرية سقوطه كما شهدت يوما صعوده. لم يعد المال درعا ولم يعد الصوت العالي قوة وصار اسم خديجة يذكر باحترام متأخر لكنه صادق.
عاد الطفلان إلى المقبرة لم يعودا كما كانا. وقف سالم ثابتا ومريم تمسك بيده دون بكاء وضعت رغيفا صغيرا فوق القبر وقالت بصوت هادئ كأنها كبرت فجأة
مش إحنا اللي جعنا يا أمي الظلم هو اللي شبع زمان.
زرعا شتلة زيتون فوق التراب شجرة تعرف الصبر وتفهم الأرض ومشيا لأن العدل حين يأتي لا يعيد الموتى لكنه ينقذ الأحياء من أن يموتوا وهم واقفون.
تمت حكايات اسما السيد حصري