سأروي لكم قصة أثرت فيَّ كثيرًا وغيَّرت نظرتي للحياة
سلام عليكم، سأروي لكم قصة أثرت فيَّ كثيرًا وغيَّرت نظرتي للحياة.
أبي قسم الميراث بيننا جميعًا، إلا أختي الوحيدة، فقد قال: "والله لن تأخذي شيئًا". بقية إخوتي لم يعترضوا بل فرحوا بالنصيب الذي حصلوا عليه، أما أختي المسكينة، فقد كانت تعيش مكتفية بحالها، لأنها تزوجت بمن أحبته رغم رفض أبي له. المهم، الميراث قُسِّم، وزاد أبي واستخرج مدخراته من فرنسا، حيث كان يعمل هناك. كل واحد من إخوتي انطلق ليبدأ مشروعه الخاص، وتركوا أبي وحيدًا في المنزل.
أختي لم يخبرها أحد بأمر الميراث، وأنا كنت أستحيي أن أصارحها. في يوم جمعة، قالت لي: "دعينا نزور أبي ونطمئن عليه قليلاً". وافقتها، وذهبنا. حين جلسنا عنده، قال لها أبي: "أظنك جئتِ طامعة في نصيبك؟". ردت عليه بصوت هادئ: "أبي، هداك الله، متى طلبت منك شيئًا؟ أنا فقط أتيت لأطمئن عليك وأعددت لك طعامك المفضل." لكنه أجابها بحدة: "إخوتك أخذوا حقوقهم، وهذه الدار مسجلة باسم أخيك فاتح، فكوني على علم بذلك."
رغم قسوة كلماته، تبسمت أختي والدموع تملأ عينيها دون أن تظهرها. قالت: "يا أبي، ما دمتَ بخير فهذا كل ما أريده. أسأل الله أن يطيل عمرك ويرزقك الصحة."
بعد حديثها، قال أبي: "أريد أن أرتاح قليلاً." غادرنا المنزل. وعند الباب،
منذ أن أخذ إخوتي نصيبهم، توقفوا عن زيارة أبي، لا هم ولا زوجاتهم، أما أنا وأختي فكنا نزوره كل جمعة. أنا كنت أتغيب أحيانًا بسبب مرض حماتي، وكان زوجي يمنعني من الذهاب كثيرًا، بينما أختي كانت تأتي كل أسبوع، تأخذ المواصلات العامة من مكان بعيد، وتصل متعبة لكنها لا تقصر معه.
في إحدى الجمعات، لم تستطع أختي الحضور، فذهبت وحدي. سألني أبي: "أين أختك؟ لم تأتِ اليوم، أليس كذلك؟" كان قد اعتاد على زيارتها الأسبوعية. اتصلت بها لتخبرها، فقالت لي: "ليس لدي مال لشراء الطعام أو حتى أجرة المواصلات. قولي له إن ابنتي مريضة، وسأحاول المجيء الأسبوع القادم إذا تمكنت من الاقتراض."..
قفلت المكالمة وأنا قلبي حزين، وحسّيت إني واقفة قدّام مراية بتعرّي ضميري. بصّيت لأبي، كان قاعد على الكرسي، ظهره محني وعينيه سرحانة في فراغ بعيد. قلت له بهدوء:
— أختي بتسلم عليك، وبتعتذر إنها ما قدرتش تيجي النهارده… بنتها تعبانة شوية.
هز راسه من غير ما يتكلم،
— غريبة… عمرها ما اتأخرت.
الكلمة دي فضلت ترن في وداني طول اليوم. عمرها ما اتأخرت. فعلاً، أختي عمرها ما قصّرت، لا معاه ولا معانا، رغم كل اللي شافته. رجعت البيت وأنا مش قادرة أنام. كلامها وهي بتعيط عند باب البيت فضل يوجعني: "زوجي فقير وبنتي مريضة"… وأنا ساكتة.
عدّى أسبوع، وجمعة تانية. أختي ما جتش برضه. رحت لوحدي، وأول ما دخلت لقيت أبي واقف مستنيني عند الباب. قال بقلق واضح:
— أختك ما جتش تاني ليه؟
المرة دي ما عرفتش أكذب. صوتي كان واطي ومكسور:
— يا أبي… أختي حالتها صعبة قوي. ما عندهاش فلوس، وجوزها شغله متقطع، وبنتها محتاجة علاج.
اتغير وشّه فجأة، قعد على الكرسي وكأنه اتسحب من تحته العمر كله.. فضل ساكت كتير. لأول مرة شوفته بالشكل ده. لا غضب، ولا قسوة، بس تعب… ندم يمكن. قال فجأة:
— هاتي رقمها.
اتصل بيها، وحطيته على السماعة. أول ما سمعت صوته، قالت بهدوءها المعتاد:
— نعم يا أبي؟
قال بصوت مكسور ما سمعتهوش منه قبل كده:
— ليه ما جيتيش؟
قالت بعد تردد:
— سامحني… ما قدرتش.
سألها عن بنتها، عن جوزها، عن حالها. وهي، كالعادة، ما اشتكتش. بس الصوت كان كفاية يفضح كل حاجة. قفل التليفون، وبص لي نظرة عمرها
— أنا ظلمتها… مش كده؟
دموعي نزلت من غير ما أتكلم.
بعدها بأيام، طلب من إخوتي كلهم يجوا. اتأخروا، واتحججوا، بس في الآخر جم. قال لهم قدامي:
— الميراث اللي أخدتوه ده… فيه حق مش بتاعكم.
اتصدموا. واحد اعترض، واحد اتعصب، واحد قال:
— هي اللي اختارت طريقها!
رد عليهم بهدوء مرعب:
— وأنا اخترت أظلمها.
في نفس الأسبوع، كتب ورقة، وسجّل جزء من البيت باسم أختي، وادّاها مبلغ من المال. لما رحت معها وهي بتستلم الورق، إيديها كانت بترتعش. قالت له وهي بتبوس راسه:
— يا أبي، أنا ما كنتش عايزة حاجة…
قالها:
— وأنا كنت محتاجك، بس ما عرفتش.
من يومها، كل حاجة اتغيرت. أختي بقت تيجي ومعاها علاج بنتها من غير قلق، وبنتها حالتها اتحسنت. إخوتي بعدوا أكتر، بس ما فرقش. أبي بقى يستنى الجمعة علشانها، يضحك، ويحكي، ويطلب أكلها اللي بيحبه.
وفي يوم، وهو على سرير المرض، مسك إيدها وقال:
— سامحيني.
ابتسمت وقالت:
— مسامحاك من زمان.
بعد ما مات، الناس كلها كانت بتقول: "يا بخت الأب اللي عنده بنت زي دي."
وأنا كنت بقول في سري:
يا بخت البنت اللي فضلت بنت، رغم كل الظلم.
القصة دي غيّرتني. علّمتني إن السكوت عن الظلم مشاركة فيه، وإن القسوة ساعات بتيجي في شكل دين، أو عُرف، أو كلمة أب.
بس الحق… دايمًا له صوت، حتى لو اتأخر.