ما زلتُ أذكر اليوم الأول الذي رأيتها فيه

لمحة نيوز

ما زلتُ أذكر اليوم الأول الذي رأيتها فيه.
طفلة صغيرة، ترتدي فستانًا أصفر باهت اللون، تقف حافية القدمين أمام البوابات الحديدية السوداء لقصر ويتـمور. لم يكن عمرها يتجاوز العاشرة على الأكثر. كان شعرها مربوطًا بشريط أزرق مهترئ، من ذلك النوع الذي يفقد شكله من كثرة الغسل.
كانت تقف ساكنة تمامًا، تحدّق في الحروف المنحوتة على أعمدة الحجر…
ويتـمور.
اسمي الأخير.
كنتُ آنذاك داخل القصر — جدران زجاجية، أرضيات رخامية، وصمت نقيّ إلى حدّ يوحي بأن شيئًا من الحياة الحقيقية لم يلمسه قط. كانت عائلتي تحب ذلك الصمت.
مسيطرًا عليه.
باردًا.
مثاليًا.
وكنتُ أظنّ، في ذلك الوقت، أن هذا هو الطبيعي.
لكن في ذلك اليوم… غيّرت تلك الطفلة شيئًا بداخلي.
كانت تأتي كلَّ عصر، في الساعة نفسها تمامًا. تقف عند البوابة، تضغط زهرة صغيرة على القضبان المعدنية، وتهمس بشيء لم أتمكن يومًا من سماعه.
تمكث خمس دقائق بالضبط، لا تزيد ولا تنقص، ثم تستدير وتمشي نزولًا على التلّ بخطوات بطيئة، حذرة، كخطوات شخصٍ يعرف كل حجر في الطريق معرفة قديمة.
كان الحراس يضحكون.
وكان عمّال القصر يتهامسون.
أما أمي فكانت تسميها: «تلك الطفلة الواهمة».
لكن الطفلة… لم تتوقف عن المجيء.
في أحد الأيام، طلبت تسجيلات كاميرات المراقبة. قرّبت الصورة. راقبتها جيدًا.
لم تكن تنظر إلى القصر.
لم تكن تحدّق في الفخامة أو النوافذ أو الحدائق.
كانت تنظر إلى الحروف.
تتبعها بعينيها ببطء، كأنها تحفظها عن ظهر قلب.
ويتـمور.
ويتـمور.
ويتـمور.
أزعجني الأمر… إزعاجًا لم أستطع تفسيره.
لم يكن خوفًا،

ولا فضولًا خالصًا، بل ذلك الشعور الثقيل الذي يشبه طرقًا خفيفًا على باب الذاكرة، باب كنتُ متأكدًا أنني أغلقته منذ زمن بعيد. شيء ما في طريقة تتبعها للحروف كان شخصيًا أكثر مما ينبغي، كأن الاسم لا يخصّ الحجر، بل يخصّها هي.
في عصر اليوم التالي، لم أكتفِ بالمراقبة عبر الكاميرات. وقفتُ خلف نافذة مكتبي الواسعة، أراقب المشهد بعينٍ مجرّدة، دون زجاجٍ أو تسجيلات.
جاءت في موعدها.
الزهرة ذاتها.
الوقفة ذاتها.
اقترب منها أحد الحراس، قال لها شيئًا لم أسمعه. هزّت رأسها بخفة، كما لو كانت معتادة على التوبيخ، واعتذرت بإيماءة صغيرة. تراجعت خطوة، ثم خطوتين. لكن قبل أن تستدير، رفعت يدها ولمست القضبان الحديدية برفق… كأنها تلمس كتف شخصٍ تحبه.
وهمست.
لم أسمع الصوت، لكنني رأيت الشفاه تتحرك بوضوح.
“مرحبًا…”.
تجمّدت.
لم أعرف لماذا.
كلمة بسيطة، لكن شيئًا فيها أصابني بالشلل.
في اليوم التالي، جاءت تحمل ظرفًا صغيرًا، مجعّد الأطراف. لم تحاول إدخاله، فقط ضغطته بين أصابعها على البوابة، كأنها تخشى أن يسقط إن تركته. شفتيها تحرّكتا من جديد، وهذه المرة استطعت قراءة الكلمات.
“أنا أحاول… حقًا أحاول.”
شدّ أحد الحراس الظرف من يدها بعنف. ارتبكت، تراجعت، كادت تسقط. شعرتُ بأن الهواء انقطع فجأة عن صدري، وكأن أحدهم قبض على رئتيّ.
في صباح اليوم التالي، لم يكن ذلك الحارس ضمن طاقم القصر.
ثم… اختفت.
مرّ يوم، ثم يومان، ثم ثلاثة.
لم تعد الزهرة تظهر.
لم تعد الخطوات الصغيرة تنزل التلّ.
صار الفراغ أمام البوابة أثقل من حضورها.
وفي اليوم الثامن، جاء المطر.

عاصفة حقيقية، من تلك التي لا تطرق الأبواب بل تقتحمها. انطفأت بعض أضواء القصر، وارتجفت النوافذ. ومن خلال الستار المائي الكثيف، رأيتها تركض.
كانت تحتضن شيئًا تحت قميصها، تحميه بجسدها الصغير. قدماها العاريتان تنزلقان في البرك، لكنها لم تتوقف.
وصلت إلى البوابة، مبللة تمامًا، شعرها ملتصق بوجهها، وأنفاسها متقطعة. أخرجت ما كانت تحميه: ظرف وردي شاحب، مختوم بعناية. دفعته بين القضبان، كما لو كانت تضع قربانًا.
رفعت رأسها، وهمست بصوتٍ أعلى من المعتاد، متحدّية المطر:
“من فضلك… دعه يراها.”
لم أفكّر.
لم أُحلّل.
أمسكتُ مظلّة وخرجت.
حين رأتني، توقّفت عن الحركة. تراجعت خطوة، وعيناها امتلأتا بذلك الخوف الصامت الذي يعرفه الأطفال الذين تعلّموا مبكرًا ألا يطلبوا الكثير. قالت وهي تتلعثم:
“أنا آسفة… لن أزعج أحدًا.”
ثم استدارت لتفرّ.
“انتظري.”
خرج الصوت منّي أعمق مما توقعت.
توقّفت.
التقطتُ الظرف. كانت هناك كلمة واحدة فقط مكتوبة بخطٍ مرتجف:
إلى عزرا ويتـمور.
اسمي.
للحظة، لم أسمع المطر.
لم أسمع شيئًا على الإطلاق.
رفعتُ عينيّ إليها وسألتها بهدوء لم أعرف من أين أتى:
“هل… أمكِ كتبت هذا؟”
هزّت رأسها.
“نعم… قبل أن ترحل.”
تلك الكلمة…
لم تمرّ بسهولة.
ومن هنا، بدأت الحقيقة تتسلّل، لا كصدمة واحدة، بل كسلسلة شقوق، تصدّع بها كل ما كنت أظنه ثابتًا.
لم أسألها شيئًا آخر عند البوابة.
بعض الأسئلة لا تُطرح في العراء، ولا تحت المطر، ولا أمام الحديد البارد. فتحتُ الباب بنفسي، لأول مرة منذ سنوات، دون أن أنتظر إذنًا من أحد.
ترددت. نظرت إلى
الداخل، إلى القصر الذي بدا فجأة غريبًا عنها… وغريبًا عني.
قالت بصوت خافت:
“قالوا لي إن هذا المكان لا يشبهنا.”
ابتسمت، لا بسخرية، بل بإدراك متأخر.
“كانوا محقين.”
دخلت.
لم تكن خطواتها واثقة، لكنها لم تكن خائفة أيضًا. كانت كمن يدخل مكانًا كُتب اسمه فيه منذ زمن، حتى لو لم يُفتح له الباب من قبل. مررنا بالجدران الزجاجية، بالأرضيات الرخامية التي طالما حسبتها دليل قوة، فاكتشفت الآن أنها مجرد برودة مصقولة.
جلستُ على ركبتي أمامها.
سألتها بهدوء:
“ما اسمك؟”
ترددت لحظة، ثم قالت:
“ليان.”
كان الاسم بسيطًا. دافئًا. إنسانيًا أكثر من كل ما في هذا البيت.
فتحتُ الظرف أخيرًا.
كانت الكلمات قليلة، لكن كل حرف فيها كان يحمل وزن سنوات ضائعة. لم تتهمني، لم تعاتبني، لم تطلب شيئًا. فقط قالت الحقيقة، كما هي، وتركت لي البقية.
رفعتُ رأسي، وكانت ليان تراقب وجهي بقلق.
“هل… أنا أخطأت بالمجيء؟”
مددت يدي إليها.
“لا. أنتِ جئتِ في الوقت الوحيد الذي كان ممكنًا.”
في تلك الليلة، لم ينام القصر.
ليس بسبب الضجيج، بل لأن الصمت القديم انكسر.
ولأول مرة، لم أحاول إصلاحه.
في الصباح، كانت أمي تنتظرني في الصالون. نظرت إلى ليان، ثم إليّ. لم تقل شيئًا. لم تحتج. ربما أدركت أن بعض المعارك تُخسر دون قتال.
قلت بهدوء لم أعرفه في نفسي من قبل:
“هذه ابنتي.”
لم أطلب موافقة.
لم أشرح.
لم أبرر.
وحين أمسكت ليان بيدي، شعرتُ أن الاسم المنحوت على الحجر فقد معناه القديم.
ويتـمور لم يعد لقبًا.
صار مجرد بيت.
أما العائلة…
فكانت تمشي إلى جواري، حافية، صامتة، حقيقية.
وفي
تلك اللحظة فقط، فهمت لماذا كانت الطفلة تحدّق في الحروف كل يوم.
لم تكن تحفظ اسمًا.
كانت تبحث عن مكان.
وقد وجدته.

تم نسخ الرابط