أمي تتعمد الاتصال بالرقم الخاطئ نفسه
لماذا كانت أمي تتعمد الاتصال بالرقم الخاطئ نفسه كل يوم ثلاثاء لمدة أربع سنوات؟
كنت على بُعد ثانيتين فقط من إلغاء بطاقات ائتمان أمي والإبلاغ عن خط هاتفها بتهمة الاحتيال.
لم أكن منزعجة فحسب؛ كنت مرعوبة. كنت أراقب أمي—ممرضة متقاعدة حادة الذكاء عملت في طوارئ المستشفى ثلاثين عامًا—وهي تتفكك أمام عيني. أو هكذا ظننت.
كل يوم ثلاثاء في تمام الثالثة عصرًا، كانت تجلس على طاولة مطبخها في فيلادلفيا. تحدق في ساعة الميككروويف حتى تتغير الأرقام. ثم ترفع سماعة هاتفها الأرضي العتيق—الذي كانت ترفض التخلي عنه—وتتصل.
كنت أستمع من الردهة، وقلبي يخفق بقوة.
«مرحبًا؟ هل والتر موجود؟»
صمت قصير.
«أوه، يا إلهي… أخطأتُ مرة أخرى. أعتذر بشدة لإزعاجك هذا بعد الظهر».
ثم يحدث التحول. يتغير صوتها من الارتباك إلى الدفء. تتحدث. لمدة خمس عشرة دقيقة بالضبط.
تتحدث عن الحفر في طريق I-95. عن ارتفاع أسعار البيض. عن المتسابقين في برنامج The Price Is Right.
ثم تودّع وتغلق السماعة.
في أحد أيام الثلاثاء، ضغطتني ضغوط حياتي—طلاقِي، تسريحات الموظفين في شركة التقنية التي أعمل بها، ضجيج المدينة الذي لا ينتهي—حتى انفجرت. اقتحمتُ المطبخ.
«ماما، توقفي!» أمسكتُ بالسلك الحلزوني.
«راجعتُ الفاتورة. هذا رقم مكالمة بعيدة إلى ريف أوهايو. أنتِ تتصلين بهذا “الرقم الخاطئ” منذ أربع سنوات. تعرفين أن والتر غير موجود. هل هذه عملية نصب؟ هل يطلبون منكِ مالًا؟ لماذا تزعجين هؤلاء الناس؟»
خلعت نظارة
«أعرف أنه ليس والتر، يا جين».
«إذًا لماذا؟ لماذا تفعلين هذا؟»
«لأنها ترد».
أشارت لي أمي أن أجلس. بدا المطبخ فجأة شديد الصمت.
«اسمها السيدة غيبل. عمرها 82 عامًا. تعيش في بلدة صغيرة أُغلقت مصانعها منذ عشرين سنة. زوجها توفي بالسرطان عام 2018. وابنها الوحيد نائب رئيس في بنك في سياتل، يرسل سلة هدايا باهظة كل عيد ميلاد، لكنه لم يزرها منذ ثلاث سنوات».
نظرت أمي إلى يديها.
«لم تتحدث إلى إنسان آخر—صوتًا لصوت—منذ أن قال لها ساعي البريد مرحبًا يوم الخميس الماضي».
حدّقتُ بها. «يعني… تتظاهرين بأنه رقم خاطئ؟»
قالت بهدوء:
«منذ أربع سنوات، كان الاتصال خاطئًا فعلًا. كنت أحاول الاتصال بخالتك ليندا. ردت السيدة غيبل. كان صوتها… فارغًا. كأنها تتلاشى. عندما اعتذرت، قالت:
“لا بأس يا عزيزتي، من فضلك لا تغلقي الخط بعد. الصوت الوحيد الذي أسمعه في هذا البيت هو طنين الثلاجة.”»
«فاستمريتِ في الاتصال؟»
«كل يوم ثلاثاء. نحافظ على “الخيال”. هذه هي القاعدة غير المكتوبة. أتظاهر أنني امرأة عجوز تخطئ في الأرقام، وهي تتظاهر بأنها صادفت الهاتف صدفة. نتحدث خمس عشرة دقيقة. هذا يكفي».
«لكن لماذا الكذبة يا أمي؟ لماذا لا تعرفينها بنفسك؟ لماذا لا تصبحان صديقتين؟»
نظرت أمي من النافذة إلى شارع المدينة الرمادي.
«لأن في هذا البلد يا جينيفر، الاعتراف بالخطأ أسهل بكثير من الاعتراف بالوحدة. نحن شعب فخور. الفخر هو الدرع الذي نرتديه حتى
لم أعرف ماذا أقول. عدت إلى عملي، إلى هاتفي، إلى رسائل بريدي الإلكتروني.
بعد ستة أشهر، ماتت أمي.
كانت أزمة قلبية حادة. سريعة. رحلت قبل أن تصل سيارة الإسعاف إلى المدخل.
كان العزاء ضبابًا من أطباق الطعام ورسائل «أحرّ التعازي». وبحلول الثلاثاء التالي، كنت جالسة وحدي في مطبخها. كان البيت صامتًا. صمتًا ثقيلًا يضغط على أذنيّ.
فتحت دفتر العناوين القديم. تحت حرف «W»، بخطها الأنيق:
Walter (الثلاثاء، 3:00 مساءً)
نظرت إلى ساعة الميكروويف. 2:59 مساءً.
كانت يداي ترتجفان. شعرتُ بالسخافة. شعرتُ أنني متطفلة. لكن الصمت كان لا يُحتمل.
رفعتُ السماعة واتصلت.
رنّ الهاتف ثلاث مرات.
«ألو؟»
كان الصوت مبحوحًا. واهنًا. لكن فيه نبرة صغيرة من الترقّب.
«مرحبًا»، قلتُ مختنقة. «هل… هل والتر موجود؟»
ساد صمت طويل وثقيل في الطرف الآخر. همس تشويش خفيف في الخط. ثم صوت ناعم… مفجع.
كانت السيدة غيبل تبكي.
«هو غير موجود يا حبيبتي»، همست.
«و… أمكِ لن تعود، أليس كذلك؟»
لسعت الدموع عينيّ. «لا… لن تعود. أنا ابنتها».
قالت السيدة غيبل بصوت مرتجف:
«كنت أعرف. كان صوتها متقطعًا الأسبوع الماضي. بدت متعبة. قلت لنفسي… قلت لنفسي أن أكون مستعدة».
«سيدة غيبل»، سألتُ وأنا أمسح وجهي بكمّي، «هل كنتِ تعرفين؟ هل كنتِ تعرفين أنها كانت تتظاهر؟»
«يا عزيزتي، كنت أعرف منذ أربع سنوات. أعلم أنه لا
حبستُ أنفاسي.
«ذلك الثلاثاء الأول؟ قبل أربع سنوات؟» انخفض صوتها إلى همس حاد وجاد.
«كان منتصف الشتاء. الثلج بارتفاع قدمين. لم أستطع الخروج. كان مسدس خدمة زوجي الراحل فوق طاولة الطعام. كنت قد كتبت رسالة للشرطة حتى لا يُصدموا. الوحدة… ليست مجرد أن تكوني وحدك يا ابنتي. إنها ألم جسدي. تأكلك. كنت مستعدة لإنهاء الألم».
قبضتُ على الهاتف بقوة حتى ابيضّت مفاصلي.
«ثم رنّ الهاتف. “رقم خاطئ”. صوت مشرق، ثرثار، يبحث عن رجل اسمه والتر. كسر ذلك الشرود. جعلني أضحك لأول مرة منذ شهور. بعد أن أغلقنا الخط، أعدتُ المسدس إلى مكانه. أمكِ لم تتصل بي فقط يا جينيفر… لقد أنقذت حياتي. كل يوم ثلاثاء».
نظرتُ إلى الساعة. 3:12 مساءً.
نعيش في عالم لدينا فيه خمسة آلاف صديق على فيسبوك. لدينا متابعون على إنستغرام. نحن متصلون بالجميع، في كل مكان، طوال الوقت. ومع ذلك، لم نكن يومًا أكثر عزلة. نمرّ على حيوات البشر بدل أن نلمسها. نرسل الرسائل لأن الاتصال يبدو «تطفلًا».
أمي، بهاتفها الأرضي القديم، كانت تعرف شيئًا نسيتُه.
«حسنًا»، قلتُ وأنا أتنحنح محاوِلة استحضار الدفء الذي كانت تمتلكه أمي دائمًا،
«بما أنني معك على الخط… هل شاهدتِ برنامج Jeopardy الليلة الماضية؟ كان السؤال الأخير صعبًا فعلًا».
منذ ثلاثة أشهر، وأنا أتصل بالسيدة غيبل. كل يوم ثلاثاء. الثالثة مساءً.
وما زلنا نتظاهر بأنني
أحيانًا، تكون أهم علاقة يمكن أن تصنعها… خطأ. متعمَّد.
فقط كي يعرف شخص ما، في مكان ما، أنه ما زال موجودًا