نظرتُ إلى صورة الرنين المغناطيسي
نظرتُ إلى صورة الرنين المغناطيسي، وشعرتُ بقشعريرة تسري في عمودي الفقري لا علاقة لها بتكييف المستشفى. كانت حكمًا بالموت، مطبوعًا بالأبيض والأسود.
ينادونني بالأسطورة في هذا المستشفى. أنا دكتور وجراح ، الرئيس السابق لقسم جراحة الأوعية الدموية. قضيتُ أربعين عامًا داخل الجسد البشري. أعرف خريطة شراييننا أفضل مما أعرف شوارع المدينة. أمسكتُ قلوبًا نابضة بين كفّي، وأوقفتُ نزيفًا كان يرشّ سقف غرفة العمليات. لكن وأنا أحدّق في تلك الصورة، وللمرة الأولى منذ عقود، لم أشعر أنني جرّاح. شعرتُ أنني دجّال.
المريضة كانت سارة. عمرها ستة وعشرون عامًا، أمّ مطلقة تعمل نوبتين في مطعم فقط لتُبقي الأنوار مضاءة. انهارت وهي تصبّ القهوة. تمدّد الشريان في دماغها لم يكن كبيرًا فحسب؛ كان وحشًا. كان ملتفًا حول أدقّ تراكيب جذع الدماغ كأفعى عاصرة.
قال لي رئيس قسم الأعصاب وهو يهزّ رأسه:
«غير قابل للجراحة . لو دخلتَ، تنزف على الطاولة. ولو تركته، ينفجر خلال 48 ساعة. هي ميّتة في الحالتين».
في النظام الطبي ، نتدرّب على وزن المخاطر. نقلق بشأن المسؤولية القانونية، ونِسَب النجاح، والدعاوى التي تلي المآسي. المنطق قال: لا تلمس هذا. انسحب. دع الطبيعة تأخذ مجراها.
ثم التقيتُ بعيني سارة. ورأيتُ ابنتها الصغيرة، بالكاد في الرابعة، تلوّن في غرفة الانتظار، ترتدي حذاءً
أخبرتُ الإدارة أن تحجز غرفة العمليات. قلتُ لهم إنني سأتولى الحالة. نظروا إليّ وكأنني مجنون. ربما كنتُ كذلك.
في الليلة التي سبقت الجراحة، جلستُ في مكتبي والأنوار مطفأة. أفق المدينة كان يلمع في الخارج، غير مبالٍ بحياة معلّقة في الداخل. كنتُ مرعوبًا. يداي، اللتان اعتادتا الثبات كالصخر، كانتا ترتجفان قليلًا. نظرتُ إلى الصور مرة أخيرة. لم يكن هناك مسار واضح. ولا زاوية هجوم. كانت مهمة انتحارية.
أنا رجل علم. أؤمن بالمشارط، والغُرز، وضغط الدم. لكن على مكتبي، مخبّأة خلف أكوام المجلات الطبية، أحتفظ ببطاقة دعاء صغيرة مُغلّفة—شفيعة القضايا المستحيلة. أعطتني إيّاها جدّتي عندما بدأتُ كلية الطب. قالت لي:
«يا بني، الطب يعالج الجسد، لكن الله يشفي الإنسان».
التقطتُ البطاقة. لم اقوم بصلاة رسمية. لم أركع. وضعتُ يدي على ملف سارة، ونظرتُ إلى صورة الدعاء في البطاقة، وتحدّثتُ إلى الظلام.
«يا الله »، همستُ وصوتي يتصدّع. «يداي لا تكفيان هذه المرة. أنا مجرّد ميكانيكي هنا. غدًا صباحًا، عليك أن تدخل غرفة العمليات. سأُعيرك يديّ، لكن عليك أن تجلب الحكمة. عليك أن تكون أنت الجرّاح».
في صباح اليوم التالي، كانت غرفة العمليات متجمّدة. الهواء مثقل بالتوتر. تحرّكت الممرضات بصمت؛ وطبيب التخدير لم
فتحنا.
كان أسوأ مما أظهرت الصور. جدار الوعاء رقيق كالورق، ينبض بغضب. نفسٌ واحد خاطئ، أو ارتعاشة مجهرية، وسينفجر.
مددتُ يدي نحو المقصّات الدقيقة. هذه هي اللحظة. لحظة «صانع الأرامل».
ثم… حدث شيء.
بدت الغرفة وكأنها دخلت صمتًا تامًا. ليس هدوءًا فحسب، بل فراغًا كاملًا. تلاشى صوت الأجهزة إلى الخلفية. دفء غريب انساب على كتفيّ، ونزل عبر ذراعيّ إلى أطراف أصابعي. لم يكن أدرينالين—أنا أعرف الأدرينالين؛ حادّ وسريع. هذا كان… سلامًا. سلامًا ثقيلًا مطلقًا.
بدأت يداي تتحرّكان.
أريد أن أكون واضحًا: لم أكن أنا من يحرّكهما. كنتُ أراقبهما تتحرّكان.
أجريتُ مناورات لم أتدرّب عليها قط. رقصت أصابعي بسرعة ودقة لا يملكها رجل في السبعين. كنتُ أفصل أنسجة على بُعد ملليمترات من جذع الدماغ بلا تردّد واحد. وضعتُ مشابك في نقاط عمياء لا أستطيع حتى رؤيتها بالكامل، مُسترشدًا بحدس لم يكن لي.
همس طبيب التخدير بدهشة:
«الضغط مستقر».
لم أجب. لم أستطع. كنتُ في حالة غياب. شعرتُ وكأن أحدًا يقف خلفي مباشرة، يوجّه مرفقيّ، ويثبّت معصميّ. حضور قويّ، آمر، لدرجة أنني للحظة ظننتُ أن طبيبًا آخر صعد فعلًا إلى الطاولة.
بعد خمسٍ وأربعين دقيقة، أسقطتُ الأداة الأخيرة في الصينية.
قلتُ: «التمدد اختفى. أغلقوا».
انفجرت الغرفة. الممرضات يبكين. الأطباء المقيمون يحدّقون في الشاشات غير مصدّقين. لم نفقد قطرة دم واحدة. كان الأمر مثاليًا على نحوٍ مستحيل.
نزعتُ الرداء وخرجتُ إلى مغسلة التعقيم. نظرتُ في المرآة. عادةً، بعد جراحة كهذه، أكون منهكًا، غارقًا بالعرق، يؤلمني ظهري.
كنتُ جافًا. هادئًا. غير متعب إطلاقًا.
نظرتُ إلى يديّ—يديّ المجعّدتين المتقدّمتين في العمر. أنقذتا أمًّا اليوم. وأنقذتا طفلة صغيرة من اليُتم. لكنني كنتُ أعرف الحقيقة.
عدتُ إلى مكتبي، التقطتُ بطاقة الدعاء الصغيرة، وأعدتها إلى جيبي.
وقّعتُ أوراق الخروج بعد أسبوع. خرجت سارة ممسكة بيد ابنتها. شكرتني والدموع تنهمر، تناديني بطلًا.
ابتسمتُ وهززتُ رأسي. قلتُ لها:
«لم أفعلها وحدي يا سارة».
ظنّت أنني أقصد فريق التمريض. لكنني كنتُ أعرف من كان الجرّاح القائد في ذلك اليوم.
العلم يمكنه أن يشرح «كيف». يشرح تدفّق الدم والنهايات العصبية. لكنه لا يستطيع أبدًا أن يشرح «لماذا». لا يستطيع أن يشرح كيف يمكن لرجلٍ، وهو يواجه المستحيل، أن يجد فجأة طريقًا حيث لا طريق.
أحيانًا، عليك أن تعترف أنك مجرّد أداة. وفي ذلك الثلاثاء، في غرفة العمليات رقم 4، كان الطبيب الأعظم في المناوبة.
لا تفقد الأمل أبدًا. حتى عندما تكون الصورة قاتمة، وحتى عندما يقول العالم إن الأمر انتهى. المعجزات