وُلد مرفوضًا… فصار الدليل أن الحب أقوى من الدم قصة تهزّ القلوب

لمحة نيوز

لم أكن أخطط لشيء.
كل ما أعرفه أن المطر كان يهطل بغزارة وأن بين ذراعي طفلا لا يتوقف عن البكاء وأن العالم في تلك الليلة بدا أوسع من قدرتي على الاحتمال.
خرجت من ذلك البيت بعد منتصف الليل.
البيت الكبير الهادئ الذي تفوح منه رائحة الثراء والنظافة الزائدة عن الحد. خرجت من بابه الخلفي كما أفعل دائما لكنني هذه المرة لم أخرج وحدي. كان الرضيع ملفوفا بمنشفة قديمة ليست لي وربما لم تكن مخصصة له أصلا لكنها كانت الشيء الوحيد الذي يفصل جسده الصغير عن برد الليل.
قالت لي قبل دقائق بصوت بارد خال من الارتباك
خذيه ودبري الأمر. لا أريد مشاكل.
لم تقل اقتليه ولم تقل تخلصي منه لكنها لم تكن بحاجة إلى ذلك. المعنى كان واضحا قاسيا مباشرا. طفل زائد عن الحاجة. خطأ يجب محوه قبل أن يكبر.
سرت في الشارع دون اتجاه.
لم أكن أعرف إلى أين أذهب ولا ماذا سأفعل. المطر كان ينهمر بلا رحمة والطفل كان يبكي وكأن صوته يرفض الصمت يرفض الاختفاء. كل شهقة منه كانت تخترق صدري. لم يكن ابني لم ألده ولم أره من قبل هذا اليوم لكنني كنت الشيء الوحيد الذي يحمله هذا العالم له في تلك اللحظة.
مررت بثلاثة شوارع.
لم أعد أذكر أسماءها. كل ما أتذكره أن الضوء كان شحيحا وأن

أصوات السيارات بعيدة وأن قلبي كان يخفق بعنف كأنني أهرب من جريمة لم أرتكبها بعد.
جلست عند موقف الحافلة.
كانت الساعة تقترب من الواحدة صباحا. لا حافلات لا بشر فقط أنا وطفل يصرخ ثم يهدأ ثم يحدق في وجهي بعينين داكنتين واسعتين. نظر إلي طويلا كأنه يحاول حفظ ملامحي. وفي تلك اللحظة حدث ما لم أكن مستعدة له.
سكت.
مد أصابعه الصغيرة أمسك بطرف معطفي ثم أغلق عينيه.
نام.
شعرت بشيء ينكسر في داخلي.
أدركت أنني لا أستطيع التخلي عنه. لا أستطيع أن أتركه في الشارع ولا أن أضعه أمام باب غريب ولا أن أنفذ ما طلب مني. لم أكن شجاعة ولم أكن بطلة لكنني كنت عاجزة عن أن أكون قاسية.
وهكذا اتخذت أكثر قرار جنونا في حياتي.
احتفظت به.
وصلت إلى غرفتي قبل الفجر بقليل.
غرفة ضيقة في حي فقير جدرانها رطبة وسريرها بالكاد يتسع لجسدي. وضعت الطفل فوق الفراش جلست بجانبه أراقب صدره الصغير وهو يعلو ويهبط. لم يكن لدي سرير له ولا حفاضات ولا حليب ولا حتى اسم أناديه به. لكن كان لدي شيء واحد لم يمنحه إياه أحد إرادة أن يعيش.
في الصباح خرجت إلى العمل كأن شيئا لم يحدث.
تركت الطفل عند الجارة امرأة عجوز لم تسأل كثيرا. كنت أعمل في بيوت الناس أنظف الأرضيات وأغسل الملابس
وأحمل في صدري سرا أثقل من قدرتي على الكلام. كان دخلي ضئيلا فنأكل القليل لكن الطفل كان يكبر يوما بعد يوم قويا على نحو يربكني.
سميته ماتيو.
لم يكن الاسم مهما في البداية لكنه صار ضروريا. كان يحتاج إلى أن يكون شخصا لا مجرد سر مدفون.
لم أعد إلى ذلك البيت.
لم أر تلك السيدة مرة أخرى. كأنني محوت المكان من ذاكرتي عمدا خوفا من أن أضعف. مرت الشهور ثم السنوات. كبر ماتيو وبدأ يسأل.
منذ الخامسة لاحظ أنه لا يشبهني.
قال لي ذات يوم وهو يحدق في يده ثم في يدي
لماذا لون بشرتي أغمق من لونك
كذبت.
قلت له تشبه أباك.
سأل وأين أبي
قلت رحل قبل أن تولد.
استمرت تلك الكذبة سنوات. كنت أكررها حتى صرت أصدقها أحيانا. لكن الأكاذيب مهما طالت لها تاريخ انتهاء.
حين بلغ ماتيو السابعة عشرة نظر إلي نظرة مختلفة.
لم تكن نظرة طفل بل نظرة رجل يبحث عن نفسه.
قال بهدوء
أريد أن أرى شهادة ميلادي.
تجمد الدم في عروقي.
سألته وأنا أعرف أن السؤال بلا معنى
لماذا
قال
لأنني أريد أن أعرف من أكون.
في تلك اللحظة أدركت أن السر الذي خبأته سبعة عشر عاما لم يعد ملكي.
وأن القرار الذي اتخذته ليلة المطر سيعود الآن
ليطالب بثمنه.
لم أنم تلك الليلة.
ظل ماتيو جالسا في غرفته
حتى الفجر لم أسمع صوتا ولم أجرؤ على الدخول. كان الصمت بيننا أثقل من أي صراخ. أدركت أن اللحظة التي هربت منها سبعة عشر عاما قد وصلت أخيرا ولم يعد في وسعي تأجيلها أو التحايل عليها.
مع بزوغ الصباح خرج من غرفته.
جلس قبالتي بهدوء غريب كأنه تخلى عن كل انفعالاته دفعة واحدة. نظر إلي طويلا ثم قال بصوت منخفض لكن ثابت
أخبريني بالحقيقة كلها.
لم أسأله ماذا يقصد.
الحقيقة لا تحتاج إلى تعريف حين يحين وقتها.
بدأت من البداية.
من تلك الليلة من المطر من المنشفة القديمة من الكلمات الباردة التي قيلت لي كأمر لا يقبل النقاش. أخبرته أنني لم أكن أمه وأنني لم أنجبه وأن المرأة التي أنجبته طلبت أن يختفي. لم أجمل شيئا ولم أخفف قسوة الكلمات. نقلت له العبارة كما قيلت لي حرفيا لأنني شعرت أن التزييف خيانة ثانية.
أخبرته أن له شقيقين.
أنهما ولدا معه في اليوم ذاته وأنهما لا يعلمان أصلا بوجوده.
لم يقاطعني.
لم يبك.
لم يصرخ.
ظل صامتا ينظر إلى الأرض وكأنه يعيد ترتيب حياته من جديد.
ثم رفع رأسه وسأل
أين تعيش
ابتلعت ريقي.
قلت
لا أعلم يا بني. مر ثمانية عشر عاما منذ آخر مرة اقتربت من ذلك المكان.
أومأ برأسه ببطء.
قال
أما أنا فسأعرف.
لم أجادله.
كنت أعرف
تلك النبرة. نبرة من اتخذ قرارا لا رجعة فيه.
استغرقه البحث ستة أشهر.
ستة
تم نسخ الرابط