رواية بين العقل والمنطق فلسفه كاملة روبيداء ويوسف بقلم اسما
حكايات اسما السيد
بين العقل والمنطق فلسفه حكايات اسما
هتفت الأرملة في تلك الليلة التي بدا فيها القمر كأنه شاهد لا يريد أن يرى وقالت بصوت خرج من أعماق صدر أنهكته الخسارة يا بدوي أرضي مقابل ابن منك ولم تكن الجملة وقحة كما قد تبدو لمن يسمعها للمرة الأولى بل كانت اعترافا أخيرا من امرأة لم يترك لها المجتمع سوى هذا الباب الضيق لتنجو بنفسها من السقوط الكامل بعد موت زوجها سالم الدمنهوري حين أغلق القبر سريعا وبقيت هي عالقة في حياة لا تعترف بالأرامل إلا بقدر ما يحملن من أولاد يثبتون أقدامهن في الأرض ويمنحن أسماءهن حصانة ضد النزع والمصادرة.
لم تمنح روبيداء الشيخ فرصة الحزن الطبيعي ولم تترك لتختلي بوجعها كما تفعل النساء في الأفلام أو في المدن البعيدة بل وجدت نفسها فجأة موضع نظر وحساب وتقدير كأنها قطعة أرض لا امرأة فقدت رجلا كانت حياتها كلها قد بنيت حوله منذ كانت في الثامنة عشرة يوم دخلت بيته زوجة لرجل يكبرها بسبعة عشر عاما في زواج لم يكن قائما على حب ولا شغف بل على اتفاق صامت بين العائلات يضمن الأرض والنسب والستر وانتظرت بعدها ثماني سنوات كاملة طفلا لم يأت حتى تحول الانتظار إلى همس والهمس إلى اتهام مباشر بالعقم وكأن جسدها وحده هو المتهم الوحيد في قضية لم
كانت تسمع الكلمات تتسلل إلى مسامعها من خلف الأبواب ومن فوق السلالم ومن تحت الضحكات المصطنعة ست ما خلفتش مالهاش حق في الأرض امرأة بلا ولد زي الشجرة اليابسة لا ظل لها ولا ثمرة ولم تكن تلك الكلمات تحتاج أن تقال في وجهها فقد كانت تعرف طريقها إلى قلبها جيدا تستقر هناك وتعيد تشكيل نظرتها إلى نفسها حتى كادت تصدق للحظة أنها فعلا ناقصة وأن الحياة قررت معاقبتها على ذنب لا تعرفه.
حين ما ت سالم لم يترك لها إلا بيتا طينيا متشقق الجدران تقف الريح عند أبوابه كما لو كانت شريكة في المؤامرة وقطعة أرض صحراوية على حافة واد مهجور لا زرع فيها ولا ماء وديونا تراكمت بصمت مثل الرمال في الزوايا ولم يمر وقت طويل حتى ظهر عوض شقيق زوجها ومعه رجال العائلة بوجوه هادئة ونبرة حرص مزيفة يقولون إن الست لوحدها ما تمسكش أرض وإن البيع أستر وإنهم لا يريدون إلا مصلحتها بينما كانت تعرف في أعماقها أنهم ينتظرون لحظة انكسار واحدة لتسلم لهم كل شيء باسم العقل والحكمة.
رفضت روبيداء ليس لأنها قوية بل لأنها كانت تعرف أن التنازل الأول سيجر وراءه
تنازلات لا تنتهي وأن الأرض إن ذهبت فلن يبقى لها شيء تستند إليه حين يشتد عليها الزمن وكانت الليالي تمر ثقيلة تجلس فيها على عتبة البيت
في تلك اللحظات كان اسم يوسف البدوي يعود إليها بإلحاح غريب رجل خرج ذات يوم من قلب الصحراء وأنقذ شقيقها حسن حين هاج ثور في ساحة البلدة وتجمد الناس في أماكنهم بينما وقف هو وحده أمام الحيوان أمسك قرونه ونظر في عينيه فهدأ الثور كما لو كان يفهم لغة لا يعرفها سواه ثم اختفى بلا اسم ولا طلب شكر تاركا خلفه حكاية تحولت مع الوقت إلى أسطورة صغيرة يتداولها الناس همسا.
لم يكن حسن سندا حقيقيا لها رغم حبه الصادق فقد كان شابا حسن الهيئة ضعيف الروح يهرب إلى المقاهي والشكوى أكثر مما يواجه الحياة ولم تلمه كثيرا لأنها كانت ترى في انكساره انعكاسا لانكسارها هي الأخرى لكن حين اشتد الخناق وتراكمت الديون وضاق الأفق أدركت روبيداء أن الطرق المعتادة انتهت وأنها تقف الآن عند حافة قرار لا يشبهها لكنه قد يكون الوحيد القادر على إنقاذها.
خرجت تلك الليلة إلى الصحراء وحدها لا تعرف لماذا تمشي ولا إلى أين لكنها كانت تشعر أن شيئا ما ينتظرها هناك وعند طرف الوادي رأته واقفا كأنه جزء من الأرض نفسها لا دخيل عليها وحين نطقت جملتها كانت يدها ترتجف لكن صوتها خرج
لم يضحك يوسف ولم يغضب قال فقط إن للكلام ثمنا وإن الطفل ليس صفقة وإنه ليس رجلا يشترى لكنها قالت له إنها دفعت أثمانا أغلى من ذلك وإنها لم تعد تملك رفاهية الاختيار وحين قال إن اختياره قد يكسرهما معا أجابته ببساطة مرة أننا مكسورون منذ زمن طويل ولم يكن بينهما وعد ولا عقد ولا شهود بل وجع مشترك واعتراف صامت بأن الحياة أحيانا لا تترك للناس خيارات نظيفة.
مرت الأيام وتغيرت روبيداء أكثر مما تغيرت الأرض وحين تأكد حملها لم تصر خ فرحا ولم تبك بل جلست بهدوء وضعت يدها على بطنها وشعرت لأول مرة أن شيئا في هذه الدنيا يمسك بها ولا يتركها وحين ولد الطفل هدأت الألسنة وسكتت العيون وقال الناس إن الله عوضها ولم يسأل أحد عن يوسف الذي اختفى كما جاء ولم يطالب بأرض ولا باسم لأن دوره في نظره كان قد انتهى.
كبر الطفل وكبرت معه روبيداء واستعادت أرضها وكرامتها وبقي يوسف في قلبها ذكرى رجل لم ينقذها فقط من المجتمع بل أنقذها من شعورها العميق بأنها كانت بلا قيمة وفي ليال قليلة حين ينام طفلها وترفع رأسها إلى السماء تبتسم لأنها تعلم أن بعض القرارات لا تكتب في العقود ولا تحكى للناس بل تسجل في الضمير وحده وتبقى هناك