الرجل الثري يلتقي بحبه الضائع… والأطفال الأربعة يغيرون حياته إلى الأبد

لمحة نيوز

ما إن ترجلتُ من سيارتي الفاخرة حتى وقعت عيناي، دون قصد، على امرأةٍ متسوّلة تجلس على جانب الطريق.
في تلك اللحظة، توقف قلبي عن الخفقان.

كانت هي.

المرأة التي أحببتها يومًا… ثم فقدتها بلا تفسير.

ما إن التقت أعيننا لثانية خاطفة، حتى شحب وجهها على الفور. انحنت برأسها بسرعة، وضمّت أربعة أطفال صغار إلى صدرها بقوة، كأنها تحاول أن تخفيهم عنّي وعن العالم بأسره.

لكن حين رفعوا وجوههم نحوي… تجمّدت في مكاني.

أربعة وجوه صغيرة.
متطابقة.
نفس العيون.
نفس ملامح الوجه.
حتى الندبة الصغيرة فوق الحاجب الأيسر… الندبة نفسها التي رافقتني منذ طفولتي.

همستُ بصوتٍ متقطّع:
«لا… هذا مستحيل…»

ارتجف جسدها، وتراجعت خطوة إلى الخلف وهي تشدّ الأطفال 
قالت بصوتٍ مرتعش:
«من فضلك… لا تقترب.»

شعرتُ بأن صدري ينهار من الداخل.
تمتمتُ بصعوبة:
«لورا… لمن هؤلاء الأطفال؟ أخبريني.»

رفعت رأسها أخيرًا.
كانت الدموع تنهمر على وجهها بلا توقف.
همست بصوتٍ مكسور:
«ما كان يجب أن تكون هنا… لا يجب أن تعرف الحقيقة.»

في تلك الأثناء، بدأ بعض المارّة يتجمعون حولنا.
سيارة سوداء فارهة متوقفة.
امرأة تبدو متسولة.
أربعة أطفال متطابقون.
وتوتر خانق يملأ المكان.

اندفعت الذكريات في رأسي بعنف:
انفصالنا المفاجئ…
صمتها الطويل…
اختفاؤها الغامض في الأسبوع نفسه الذي غادرتُ فيه البلاد لتوسيع أعمالي في الخارج.

تشوّش بصري، واشتدّ خفقان قلبي.

وقبل أن أستطيع السيطرة

على نفسي، صرختُ بالسؤال الذي أصاب الجميع بالذهول:
«هل هؤلاء… أطفالي؟»

ارتعد الأطفال، وانفجرت لورا في بكاءٍ حاد.

وفي تلك اللحظة…
انهار كل ما كنت أظنّ أنني أعرفه عن حياتي.
ساد الصمت للحظاتٍ بدت أطول من العمر نفسه. لم يعد هدير السيارات يطرق أذني، ولا همهمات المارّة تصل إلى وعيي. كل ما كنت أراه هو أربعة أطفال ينظرون إليّ بعينين متطابقتين، تحملان دهشةً بريئة وخوفًا غامضًا، وكأنهم يشعرون بأن شيئًا جللًا يوشك أن يحدث.
ارتمت لورا على ركبتيها فجأة، تضمّ الأطفال الأربعة إلى صدرها، كمن يحتمي بآخر ما يملك في هذا العالم. كان بكاؤها صامتًا في البداية، ثم تحوّل إلى شهقاتٍ متقطّعة تشقّ صدري قبل أن تشقّ الهواء.
قالت بصوتٍ مبحوح، بالكاد يُسمع:
«نعم… هم أطفالك.»
كلمة واحدة… لكنها سقطت عليّ كصاعقة.
تراجعت خطوة إلى الخلف، وكأن الأرض تحتي قد انشقت. شعرتُ بدوارٍ حاد، واضطررت إلى الاتكاء على باب سيارتي كي لا أسقط. حاولت أن أتنفّس، لكن الهواء كان ثقيلاً، خانقًا، كأنه يرفض الدخول إلى رئتي.
«أطفالي؟» كررتُ الكلمة بذهولٍ أشبه بالهذيان. «أربعة؟ كيف… كيف يحدث هذا؟ ولماذا؟ لماذا لم تخبريني؟»
رفعت لورا رأسها نحوي. كانت عيناها محمرّتين، متورّمتين من البكاء، لكن خلف الدموع كان هناك شيء آخر… وجعٌ قديم، متراكم، لم يُتح له أن يبوح.
قالت وهي تمسح دموعها بظهر يدها:
«لأنك رحلت. لأنك اختفيت فجأة من حياتي، وسافرت دون أن تلتفت خلفك. حاولتُ الاتصال

بك، أرسلتُ الرسائل، كتبتُ لك عشرات الرسائل التي لم تُرسل أبدًا… لكنك لم تكن هناك.»
هززتُ رأسي بعنف:
«هذا غير صحيح! أنا سافرتُ أسبوعين فقط، وعدتُ ولم أجدك. شقتك كانت فارغة، هاتفك مغلق… ظننتُ أنك تركتِني.»
ضحكت لورا ضحكة قصيرة، يائسة، امتزجت بالبكاء:
«تركتك؟ وأنا أحمل أطفالك في رحمي؟»
اقترب أحد الأطفال خطوةً صغيرة، يمسك بطرف معطف لورا، وسأل بصوتٍ خافت:
«ماما… مين الراجل ده؟»
تجمّدت الكلمات في حلقي. نظرتُ إلى الطفل، ثم إلى إخوته الثلاثة الذين تشبّثوا بثوب أمهم. شعرتُ بشيءٍ غريب يتمدّد في صدري… خوف، وحنان، وذنب، وشعور عميق بالمسؤولية لم أعرفه من قبل.
انحنت لورا وقبّلت رأس الطفل:
«ده…» توقفت لحظة، ثم قالت بصوتٍ مكسور، «ده أبوكم.»
اتسعت عيون الأطفال الأربعة في آنٍ واحد. نظروا إليّ بفضولٍ وخوفٍ ودهشة. أحدهم، وكان يبدو الأكثر جرأة، قال:
«يعني… أنت بابا؟»
لم أستطع الرد. جثوتُ على ركبتي أمامهم دون وعي، حتى صرتُ في مستواهم. شعرتُ بيدي ترتجفان، ومددتهما ببطء، دون أن ألمسهم.
قلتُ بصوتٍ مبحوح:
«نعم… أنا باباكم. ولو كنتُ أعلم… أقسم أنني ما كنتُ لأترككم يومًا.»
لمعت الدموع في عيون لورا من جديد، لكن هذه المرة كان بكاؤها مختلفًا؛ أقلّ حدة، أكثر استسلامًا.
قالت:
«حين اكتشفتُ حملي، حاولتُ الوصول إليك. لكن في اليوم نفسه الذي سافرتَ فيه، جاء رجال والدك. قالوا لي إنك لن تعود، وإن وجودي في حياتك سيُدمّر مستقبلك. هددوني… وهددوا
أطفالي قبل أن يولدوا.»
شعرتُ بغضبٍ عارم يشتعل في داخلي:
«والدي؟»
أومأت برأسها:
«قالوا إن اسم عائلتك أهم من أي شيء، وإن امرأة مثلي… لا مكان لها في عالمك.»
سكتت لحظة، ثم أضافت:
«هربتُ. غيرتُ المدينة، ثم الدولة. أنجبتُ الأطفال وحدي. حاولتُ العمل، لكن المرض لحق بي، والديون تراكمت… وانتهى بي الحال هنا.»
تطلّعتُ حولي. الشارع، البرد، نظرات الشفقة، الكيس الصغير الذي تضع فيه بعض العملات. شعرتُ بالخزي ينهش قلبي.
قلتُ بحزم:
«هذا سينتهي الآن.»
نظرت إليّ بشك:
«ماذا تعني؟»
وقفتُ، وأخرجتُ هاتفي، ثم قلتُ بنبرة لا تقبل الجدل:
«تعني أنكم ستأتون معي. اليوم. الآن. هؤلاء أطفالي، ولن أتركهم في الشارع دقيقة أخرى.»
تراجعت لورا خطوة:
«لا… لا أستطيع. لا أعرف عالمك، ولا أريد أن أكون عبئًا عليك.»
اقتربتُ منها، وخفّضتُ صوتي:
«أنتِ لستِ عبئًا. أنتِ عائلتي. وهم…» نظرتُ إلى الأطفال، «هم حياتي التي كدتُ أضيّعها.»
تردّدت طويلًا، ثم انهارت مقاومة لورا أخيرًا. أومأت برأسها ببطء، وكأنها تسلّم قلبها لمصيرٍ مجهول.
فتحتُ باب السيارة الخلفي:
«اصعدوا.»
تردّد الأطفال، ثم صعدوا واحدًا تلو الآخر. جلست لورا إلى جوارهم، وما إن أُغلق الباب حتى شعرتُ بأن فصلًا كاملًا من حياتي قد أُغلق معه.
حين جلستُ خلف المقود، ونظرتُ إليهم في المرآة، أدركتُ الحقيقة كاملة.
لم أعد الرجل الثري الذي يعيش لأجل الصفقات والأرقام.
لم أعد وحيدًا.
كنتُ أبًا لأربعة أطفال.
ورجلًا
عاد إليه حبّه الضائع.
وحياةً جديدة بدأت من تلك اللحظة… حياة لن تكون سهلة، لكنها ستكون حقيقية لأول مرة.

تم نسخ الرابط