وُلِدَ أصمّ وما حدث بعدها جعل القصر كلّه يبكي
على مدى سنوات تعلم رافائيل أن يبكي بلا صوت. لا لأنه لا يشعر بالألم بل لأنه اعتاد أن لا يفهمه أحد. كان في السابعة من عمره ومنذ أن بدأ يعي العالم كانت يده اليمنى تتجه إلى أذنه كما لو أنه يتحسس جرحا غير مرئي لمسة خجولة ثم ضغط يائس ثم تلك الملامح التي بدت كأنها تعتذر عن وجودها.
قال الأطباء ذلك بعبارات طويلة ومكلفة صمم خلقي شديد.
لكن هذه العبارة بالنسبة إلى رافائيل كانت تعني أمرا أبسط وأكثر قسوة العالم موجود ويتحرك لكنه بالنسبة إليه يشبه مشاهدة فيلم بلا صوت ومع نبض غريب داخل الأذن يلسع كسر مؤلم.
كان والده ماوريسيو كارفاليو قادرا على شراء كل شيء تقريبا. كان اسمه يظهر على لوحات مشاريع عملاقة ومبان ذات زجاج لامع ومراكز تجارية تشبه مدنا مستقلة.
رجل أعمال العام رؤيوي رجل التقدم.
غير أن ماوريسيو داخل القصر المطل على البحر لم يكن سوى رجل منهك يحاول إنقاذ ابنه باليأس نفسه الذي لم يستطع به قبل سنوات إنقاذ زوجته.
كانت كاميلا قد توفيت أثناء الولادة. نزيف قرارات بطيئة بروتوكولات باردة. ظل ماوريسيو يستعيد تلك اللحظة كصدى لا يختفي يدها متشبثة بيده شفاهها تتحرك دون أن يتمكن من سماع ما كانت تحاول قوله. وكان التناقض يمزق صدره كاميلا تنطفئ في صمت وابنه يولد
ومع مرور الأعوام حول ماوريسيو ذلك الذنب إلى بيت بلا حياة. منع الموسيقى المرتفعة والأحاديث في الممرات ورفع صوت التلفاز. كان يقول إن ذلك احترام لكن الحقيقة كانت غير ذلك لم يكن يحتمل سماع ما لن يسمعه رافائيل أبدا.
كان في القصر رخام ولوحات باهظة الثمن ومسبح لا نهاية له وصمت ثقيل كأنه غبار.
تحرك الموظفون كظلال. وكانت مدبرة المنزل السيدة سيلفيا تحرس القواعد بصرامة تكاد تكون دينية. كان على البيت أن يعمل كساعة بلا مفاجآت وبلا مشاعر خارجة عن السيطرة.
كان رافائيل يقضي أيامه حبيس غرفته يصف طائرات ورقية على حافة النافذة كأنها جيش يستعد للهروب. وحين يشتد الألم كان يضغط على أذنه ويفتح فمه في صرخة لا يسمعها أحد. ينظر إليه الكبار بشفقة ثم يصرفون أبصارهم كأن ألمه مجرد جزء من قدر محتوم.
إلى أن وصلت لاريسا ميندس.
كانت لاريسا في الثامنة والعشرين وحياتها لا تمنحها هدنة. لم تكن مدينة بسبب ترف أو نزوة بل مدينة من أجل البقاء. كانت والدتها مريضة والعلاج ينهشها من الداخل والفواتير تفتك بها من الخارج. كانت تعمل بلا توقف تنام قليلا ومع ذلك كان المستشفى قد ألقى بالفعل تهديده بحبر رسمي إن لم تدفع فستنقل والدتها إلى مكان تكون فيه مدة الانتظار أطول من الأمل.
حين رأت إعلان العمل في قصر عائلة كارفاليو لم تفكر في المسافة بين عالمها وذلك البيت الزجاجي. فكرت في أمر واحد فقط هذا قد ينقذها.
كانت المقابلة قصيرة وحادة. تفحصتها سيلفيا كما يفحص عيب في قماش أبيض.
قالت لها هنا ينظف ويطهى ويلتزم بالخفاء. السيد ماوريسيو لا يحتمل المقاطعات ولا سيما قرب الطفل. لا تدخلي غرفته. لا تكلميه. لا تنظري إليه.
ابتلعت لاريسا ريقها وأجابت بما يلزمها لنيل الوظيفة مفهوم.
كان اليوم الأول صدمة من كوكب آخر. لمعان الأرضيات يعكس السقف. كل شيء جميل وكل شيء في الوقت نفسه يبدو ميتا.
صعدت لاريسا بعربة التنظيف تحاول أن تتنفس بلا صوت وبدأت في مكتبة تفوح منها رائحة جلد جديد وهجر قديم.
عندها سمعت شيئا ليس صوتا واضحا ولا كلمة بل نبرة ضئيلة أشبه بنشيج مكتوم كأن أحدهم يحاول البكاء تحت الماء.
تجمدت لاريسا في مكانها.
قالت لنفسها ليس شأني. لا أستطيع خسارة هذه الوظيفة.
لكن الصوت عاد وكان فيه ألم والألم لغة يفهمها الجميع.
سارت في الممر ورأت بابا مواربا فأطلت بنظرها.
كان رافائيل هناك جالسا على الأرض تحيط به طائرات ورقية. كان وجهه مبللا بالدموع لكنه لا يصدر صوتا. كل بضع ثوان كانت يده تتجه إلى أذنه اليمنى برفق أولا ثم بقوة. كان ينكمش كأن شيئا
شعرت لاريسا بعقدة في صدرها. لقد رأت هذا المشهد من قبل شقيقها الصغير قبل سنوات حين كانت عدوى الأذن تجعله يضغط رأسه كما لو أنه يريد اقتلاع الألم.
حاول رافائيل طي طائرة ورقية أخرى لكن يديه ارتجفتا. فجأة ترك الورقة وضغط أذنه بكلتا يديه. انكمش جسده. وانفتح فمه في صرخة صامتة.
دخلت لاريسا دون تفكير.
قالت اهدأ أنا هنا رغم علمها أنه لن يسمعها. جلست على مستواه فتحت كفيها لتظهر أنها لا تشكل تهديدا ورسمت ابتسامة هادئة.
فزع رافائيل في البداية والتصق بالجدار كحيوان صغير محاصر. لكن لاريسا لم تقتحم لم تلمسه فورا بل انتظرت. أشارت إلى الطائرات الورقية وبإيماءة طلبت الإذن.
نظر إليها رافائيل بريبة ثم أومأ في النهاية.
أخذت لاريسا طائرة ورقية عدلتها بعناية قومت جناحا معوجا ثم أعادتها إليه. أمسكها رافائيل كما لو كانت شيئا ثمينا وللحظة ظهرت انحناءة خفيفة على فمه. شبه ابتسامة.
تلك اللحظة كسرت شيئا في داخل لاريسا لأنها لم تكن ابتسامة دلال بل دهشة طفل نسي كيف يبدو شعور أن يراك أحد حقا.
أعادها صوت خطوات في الممر إلى الواقع. كانت سيلفيا.
خرجت لاريسا بسرعة أغلقت الباب برفق واصطدمت ببرودة عيني المدبرة.
سألتها ماذا تفعلين هناك
ارتجلت لاريسا عذرا مرتبكا.