أنا أتحدث تسع لغات
لم يكن ريكاردو سالازار يثق في الصدف.
طوال حياته، آمن بأن كل شيء يُصنع بقرار، وكل نجاح نتيجة سيطرة محكمة لا تترك مجالًا للعشوائية. ولهذا، حين وقف في مكتبه الزجاجي على ارتفاع شاهق، لم يرَ في المدينة الممتدة أسفل قدميه سوى نتيجة طبيعية لذكائه وإصراره.
كانت بوغوتا في الصباح تبدو ككائن حيٍّ يستيقظ ببطء؛ السيارات تزحف في الشوارع، البشر يتحركون في مسارات متكررة، وكل واحد منهم يؤدي دوره دون أن يدرك أن رجلاً واحدًا في الأعلى يستطيع، إن شاء، أن يغير مصير المئات منهم بضغطة زر.
رفع ريكاردو معصمه قليلًا، يتأمل ساعته السويسرية النادرة. لم تكن مجرد أداة لقياس الوقت، بل رمزًا. ثمانون ألف دولار تلمع على يده، تذكير صامت بأنه تجاوز مرحلة الحاجة منذ زمن بعيد. الزمن عنده لم يكن شيئًا يطارده، بل شيء يملكه.
في الحادية والخمسين، صار اسمه مرادفًا للنفوذ. إمبراطورية تقنية بناها من لا شيء، أو هكذا كان يحب أن يروي القصة. لم يكن يذكر دائمًا من سقطوا في الطريق، ولا الأبواب التي أُغلقت في وجوه غيره ليُفتح له هو المجال.
عاد إلى مكتبه الرخامي، جلس على كرسيه الجلدي الثقيل، وألقى نظرة على الغرفة التي صُممت لتفرض الهيبة. لوحات أصلية، إضاءة محسوبة، صمت لا يقطعه سوى صوت أجهزة التكييف. الموظفون لا يرفعون أعينهم حين يدخل. تعلّموا الدرس مبكرًا.
ذلك الإحساس…
إحساس السيطرة المطلقة.
كان يعشقه.
لم يكن المال وحده ما يسكره، بل فكرة أنه أعلى. أذكى. أسبق بخطوة دائمًا. وفي لحظات خلوته، كان يتخيل الناس في الأسفل ككائنات صغيرة، تتحرك وتكدح وتتصادم، بينما هو يراقب من علٍ، بعيدًا عن الفوضى.
على مكتبه، استقرت وثيقة قديمة داخل غلاف جلدي داكن. ورقها مصفر، حوافها مهترئة،
خمسة مترجمين.
أساتذة جامعات.
خبراء لغات نادرة.
الجميع قالوا الشيء نفسه:
نستطيع فك أجزاء… لكن المعنى الكامل مستحيل.
بالنسبة لريكاردو، لم يكن هذا فشلًا. بل متعة.
أن يملك شيئًا يعجز الآخرون عن فهمه، حتى النخب التي يدّعي المجتمع تقديسها. كان اللغز بالنسبة له لعبة أخرى يثبت بها تفوقه.
ضغط زر الاتصال الداخلي، وقال بصوت هادئ لكنه آمر:
— من التالي؟
جاءه صوت السكرتيرة مترددًا على غير العادة:
— سيدي… عاملة النظافة وصلت، ومعها ابنتها اليوم.
رفع حاجبه ببطء.
عاملة النظافة نادرًا ما كانت موجودة في هذا التوقيت، والأندر أن تحضر معها طفلة.
— دعيهما تدخلان، قال بعد لحظة.
لم يكن يعرف لماذا وافق.
ربما الملل.
ربما الرغبة في كسر رتابة صباح مثالي أكثر من اللازم.
انفتح الباب الزجاجي، ودخلت المرأة أولًا. كانت كارمن مارتينيز تمشي بخطوات حذرة، تدفع عربة التنظيف أمامها. زيّها الكحلي باهت، حذاؤها متآكل، ويداها تحملان آثار سنوات من العمل مع المنظفات القاسية.
خلفها، وقفت فتاة صغيرة، في الثانية عشرة تقريبًا. لم تختبئ تمامًا، لكنها لم تتقدم أيضًا. حقيبة قديمة على كتفها، نظيفة على نحو لافت، وزيّ مرقع بعناية توحي بأن هناك من يهتم بالتفاصيل رغم الفقر.
— آسفة، سيدي… قالت كارمن بصوت منخفض، لم أجد من يعتني بابنتي اليوم. إن أردتَ، نعود لاحقًا.
راقبهما ريكاردو للحظات دون أن يرد.
ثم ابتسم.
ابتسامة باردة، محسوبة.
— لا، لا. ابقيا.
نهض من مكانه، وبدأ يدور حولهما ببطء، كما لو كان يفحص شيئًا جديدًا دخل نطاق سيطرته.
— أخبريني،
— أنظف المكاتب، سيدي.
— بالضبط! قال بحماس مصطنع. تنظفين.
ثم مال برأسه قليلًا.
— وما مستواك التعليمي؟
ابتلعت ريقها.
— أنهيت الثانوية.
ضحك ضحكة قصيرة، خالية من المرح.
— الثانوية فقط… مفهوم.
ثم انتقلت عيناه إلى الطفلة.
— وهذه؟ ابنتك، أليس كذلك؟ أفترض أنها ستسير على الدرب نفسه.
في تلك اللحظة، شعرت الفتاة بشيء ينقبض في صدرها. لم تكن هذه أول مرة ترى فيها أمها تُعامل بتعالٍ، لكنها كانت المرة الأولى التي تسمع فيها الإهانة بهذه الصراحة.
نظرت إلى أمها، فرأتها تشد على مقبض العربة حتى ابيضت مفاصلها.
وهنا… بدأ شيء ما يستيقظ داخل الطفلة.
شيء لم يتعلم الخضوع.
أما ريكاردو، فكان قد لمح فرصته المفضلة.
فرصة الاستعراض.
تناول الوثيقة القديمة من على مكتبه، ورفعها أمام الفتاة.
— اقتربي، قال لها.
تقدمت خطوة… ثم أخرى.
كانت خائفة، نعم،
لكن عينيها لم تكونا فارغتين.
وفي تلك النظرة، كان هناك شيء لم يعرف ريكاردو له اسمًا بعد.
وقف ريكاردو سالازار أمام الفتاة، والوثيقة مرفوعة بين أصابعه كما لو كانت أداة استجواب. لم يكن ينوي اختبارها بقدر ما كان يستمتع بالمشهد نفسه؛ رجل في القمة وطفلة من الهامش، فجوة يعرف كيف يستغلها جيدًا.
— انظري جيدًا، قال بنبرة تحمل سخرية مغلفة بالهدوء.
خمسة مترجمين من أفضل العقول في هذه المدينة عجزوا عن فهم هذا النص كاملًا. أساتذة، باحثون، خبراء قضوا أعمارهم بين الكتب. هل تعلمين ماذا يعني ذلك؟
لم يكن ينتظر جوابًا.
كان السؤال جزءًا من الاستعراض.
مدّت الفتاة عنقها قليلًا، واقتربت أكثر. لم تلمس الورق، لكنها قرأت بعينيها بسرعة لافتة. مرت نظرتها على السطور كما لو كانت تلتقط
— لا، سيدي.
ابتسم ريكاردو بانتصار.
— بالطبع لا. حتى هم لم يستطيعوا. فكيف بكِ أنتِ؟
ثم التفت إلى كارمن، وكأن الحديث قد حُسم:
— الذكاء يا سيدتي ليس مسألة رغبة، بل وراثة. وأنتِ… حسنًا، تعملين هنا منذ سنوات، وهذا يشرح كل شيء.
في تلك اللحظة، توقفت الطفلة عن الشعور بالخوف.
تحول الارتباك إلى شيء آخر، أكثر صلابة.
— عفوًا، قالت فجأة.
كان صوتها واضحًا بما يكفي ليجبره على الالتفات.
— ماذا قلتِ؟
رفعت عينيها إليه مباشرة.
لم تخفض نظرها، ولم تعتذر.
— قلتَ إن الخبراء لا يستطيعون قراءة النص.
— نعم.
— وهل تستطيع أنت قراءته؟
كان السؤال بسيطًا… ومباشرًا.
سقط كحجر في ماء راكد.
فتح ريكاردو فمه، ثم أغلقه.
— أنا لست مترجمًا. هذا ليس الموضوع.
— لكنه يعني أنك أيضًا لا تفهمه، قالت بهدوء.
وإذا كان عدم الفهم دليل نقص، فنحن متساوون إذًا.
ساد الصمت.
حتى صوت أجهزة التكييف بدا أعلى فجأة.
شعرت كارمن بدوار خفيف. لم يسبق لأحد أن تحدّث مع ريكاردو بهذه الطريقة، ولا في هذا المكتب، ولا خارجه. حاولت أن تقاطع، أن تعتذر، لكن الكلمات خانتها.
— معلمتي تقول، تابعت الطفلة، إن الذكاء لا يُقاس بالمكان الذي نصل إليه، بل بما نعرفه وبكيف نعامل من هم دوننا قوة.
شعر ريكاردو بحرارة تزحف إلى وجهه.
ذلك الإحساس… الإحراج.
إحساس لم يزره منذ سنوات طويلة.
— وما اسمك؟ سأل بحدة يخفي بها اضطرابه.
— لوسيا، أجابت. لوسيا مارتينيز.
— حسنًا يا لوسيا، قال وهو يعقد ذراعيه.
بما أنكِ واثقة هكذا، أخبريني… كم لغة تتحدثين؟
لم تتردد.
كأن السؤال كان ينتظرها منذ زمن.
— أتحدث الإسبانية والإنجليزية بطلاقة.
البرتغالية والفرنسية بمستوى متقدم.
العربية والألمانية بمستوى محادثة.
الماندرين والروسية والإيطالية بمستوى أساسي.
ثم أضافت بنبرة هادئة: