ثروة في الظل صياغه ادبيه الكاتبه نرمين عادل همام

لمحة نيوز

ورثتُ ثروةً ضخمة وأنا بعدُ في العشرين من عمري، لكنني أخفيتُ الأمر عن الدنيا كلّها، لا عن حاضر الناس فقط، بل عن نفسي أحيانًا، لأنني كنت أبحث عن شيءٍ واحد لا يُشترى: حبًّا حقيقيًّا لا تشوبه رائحة المال.
واليوم… بعد عشرة أعوام من الزواج، لا تزال زوجتي تظنّني موظفًا بسيطًا بالكاد ينجو من نهاية كلّ شهر.
كنتُ شابًّا ورث ما يقارب خمسين مليون دولار من جدّي؛ ثروةً هبطت عليّ فجأة، بلا تمهيد ولا رحمة. وفي اللحظة الأولى لم أشعر بالفرح، بل بالخوف. رأيتُ بعينيّ كيف تتبدّل الوجوه حين تشمّ رائحة المال، وكيف يظهر أصحاب المصالح فجأة، وكيف يخرج النفاق من مخابئه، وكيف تصبح المشاعر سلعةً في سوقٍ مزدحم بالمتسلّقين.
حينها قطعتُ على نفسي عهدًا صارمًا:
لن أخبر أحدًا أنني غنيّ، إلا إذا تأكّدتُ مئةً بالمئة أنه يحبّني أنا، لا ما أملك.
ومنذ ذلك اليوم، بدأتُ حياةً مزدوجة.
وضعتُ ثروتي في استثمارات طويلة الأمد تدرّ أرباحًا فلكية، بينما أبقيتُ مصروفي الشخصي ضئيلًا إلى حدٍّ يثير الشفقة. اشتغلتُ وظيفةً عادية، مدرّسًا في مدرسة حكومية، بمرتبٍ متوسط، وسكنتُ شقة إيجار متواضعة.
ثم قابلتها…
كانت تعمل نادلةً في كافيه صغير، تكافح لتدفع مصاريف دراستها، وفي عينيها تعبُ الدنيا كلّها.
أحببنا

بعضنا بصدقٍ جارح.
رأتني وأنا «مفلس».
كانت تقف بجانبي حين تتعطّل سيارتي التويوتا القديمة المتهالكة.
كنّا نقسم ساندوتش البرجر إلى نصفين كي نوفّر ثمن العشاء.
كانت تجلب لي هدايا بسيطة من مرتبها القليل، وكنتُ أشعر أنني أملك الدنيا كلّها بين يديّ.
— «إنت أهم عندي من أي حاجة في الدنيا.»
— «وإنتِ نعمة عمري.»
تزوّجنا.
ولكي أحافظ على التمويه، أكملنا بنفس المستوى.
استأجرنا شقةً صغيرة في حيٍّ شعبي.
نأكل طعامًا بيتيًّا بسيطًا.
نجمع الكوبونات لنشتري طلبات البيت وقت العروض.
وكانت تقول لي دائمًا، بابتسامةٍ مطمئنة:
— «يا حبيبي، الفلوس مش كل حاجة… المهم إننا سوا وبصحة كويسة.»
مرّت عشر سنوات على زواجنا.
تضاعفت الأموال في البنك، وصارت أرقامًا لا تُصدّق، لكن زوجتي بدأت تتعب.
العمل صار أثقل، والسنوات بدأت تترك أثرها على قلبها.
أصبحت تتمنّى بيتًا مِلكًا، وسفرةً مثل بقية الناس، وفستانًا جديدًا بلا حساباتٍ معقّدة.
وأنا…
كنتُ أراقبها وهي تحسب الفِكّة لتشتري فستانًا بسيطًا، بينما أستطيع بكلمةٍ واحدة أن أشتري لها المول كلّه.
قلبي يتمزّق.
أريد أن أصرخ فيها:
— «سيبي الآلة الحاسبة يا روحي… إحنا معانا ملايين!»
لكنني… خائف.
خائف جدًّا.
أخفيتُ عنها سرًّا جوهريًّا عشر سنواتٍ كاملة.

جعلتها تعيش فقرًا اختياريًّا لم تكن مضطرةً إليه.
أخشى أن تشعر أنني كنتُ أختبرها، أو أنني لم أثق بها.
أخشى أن تقول لي:
— «إنت كنت بتتفرّج عليّا وأنا بعاني وساكت؟
والآن أقف أمام السؤال الذي يفتك بروحي:
هل أُصارحها مرّةً واحدة، وأضع بين يديها قصرًا وسيارة، وأرجو أن تسامحني؟
أم أستمرّ في التمثيل، وأُخرج الأموال تدريجيًّا وكأنني كسبتُ يانصيبًا، أو حصلتُ على ترقيةٍ مفاجئة؟
وأنا لا أملك جوابًا…
بل قلبًا مثقلًا بالخوف والحبّ معًا.
في تلك الليلة، لم يحتمل ذنبه أكثر.
رآها تعود من عملها منهكة؛ عيناها ممتلئتان بإرهاق السنوات، وجسدها ينوء تحت ثقل القلق المادي الذي صنعه لها بيديه.
عندها فقط أدرك أن حبّه، كما مارسه، صار نوعًا من التعذيب البطيء.
فقرّر أن يُصارحها.
جهّز عشاءً رومانسيًّا كما لم يفعل من قبل، أشعل الشموع، وضع الزهور، أخرج أوراق البنك ورتّبها بعناية، وجلس ينتظرها وهو يقنع نفسه أنه على وشك أن يصنع أسعد ليلة في حياتهما.
كان يتخيّلها تقفز من الفرح، تخطّط للسفر، للبيت الجديد، لحياةٍ أخيرًا بلا حساباتٍ ولا خوف.
لكن ما حدث… كان نقيض كلّ شيء.
ما إن رأت المبلغ، وما إن فهمت أن الحقيقة مخفيّة منذ عشر سنواتٍ كاملة، حتى شحب وجهها فجأة، وارتعشت يداها، وبدا كأن
الهواء انسحب من صدرها.
ثم انفجرت…
بكاءً هستيريًّا لم يعرف له اسمًا ولا نهاية.
ظلّ واقفًا عاجزًا، حتى هدأت قليلًا.
رفعت رأسها إليه، وكانت عيناها مكسورتين بطريقةٍ لم يرها من قبل.
— «إنت ما كنتش بتختبر حبي… إنت كنت بتعذّبني.»
صمت.
— «فاكر يوم العربية عطّلت بينا في المطر، ومكنّاش معانا فلوس نصلّحها، وأنا قعدت أعيّط طول الليل؟ إنت كنت بتتفرّج عليّا وإنت معاك الحل؟»
لم يستطع الرد.
— «فاكر لما كنت باكل وجبة واحدة في اليوم علشان أوفّر تمن الدوا بتاعك لما تعبت؟ كنت شايفني بجوع وبمثل عليك الرضا… وإنت معاك ملايين؟»
صوتها ارتفع، لكنه كان موجوعًا أكثر من كونه غاضبًا.
— «إنت خلّيتني أعيش عشر سنين في قلق وتوتّر مادي دمّر أعصابي… خلّيتني أحس إني فاشلة، إني مش عارفة أساعدك، إني عبء… وكل ده كان لعبة بالنسبالك؟»
اقترب منها، حاول أن يلمس يدها، فابتعدت عنه فورًا.
— «أنا مش قادرة أثق فيك تاني.»
— «الفلوس دي دلوقت ملوّثة… ملوّثة بالكذبة والخداع اللي بنيت بيهم حياتنا.»
ثم قالت الكلمة التي أنهت كلّ شيء:
— «أنا عايزة الطلاق.»
وفي الليلة نفسها، عاد إلى العالم الذي كتب فيه قصته أوّل مرّة، يكتب الآن بيدٍ مرتجفة:
«كنتُ فاكر إني بحميها من الطمع…
لكن اكتشفت إني حرمتها من الأمان،

ودمّرت الثقة اللي بينا للأبد.»
صياغة أدبية الكاتبة نرمين عادل همّام
تمت

تم نسخ الرابط