كنت بجدّد الحمّام… لما السباك فجأة وشّه اصفر
كنت بجدّد الحمّام… لما السباك فجأة وشّه اصفر، وإيده كانت بتترعش. قرّب مني وهمس:
“لمي هدومك وامشي. دلوقتي. وما تقوليليش لعيالك.”
قلبي دق بعنف وأنا متابعه نظراته نحية باب البدروم. ما جادلتش… خدت شنطتي وجريت.
بس وأنا بقفل الباب ورايا، فكرة مرعبة ضربت دماغي:
هو ما قالليش إيه اللي تحت… ولا مين اللي حطه هناك.
الجزء الأول — اللحظة اللي البيت اتغيّر فيها
كنت بجدّد الحمّام عشان كنت محتاجة أحس إن البيت بقى جديد.
بلاط جديد. مواسير جديدة. كل حاجة نضيفة ومرتّبة.
كنت بدوّر على أي حاجة ثابتة أركّز فيها بعد سنة حسّيتها مهزوزة، كأن في حاجة غلط بس مش قادرة أحددها.
العيال كانوا في المدرسة.
البيت هادي، غير صوت العِدّة والمية وهي بتتفتح وتتقفل.
السباك كان طبيعي جدًا أول ما جه.
راجل في نص العمر، هادي، شغله سريع.
ما كانش بيتكلم غير بالضروري.
سيبته يشتغل، وأنا دخلت أوضة تانية أطبّق هدوم، وبفكر في ألوان الدهان والمواعيد.
وفجأة…
الصوت وقف.
مش بالتدريج.
مرة واحدة.
عدّى شوية وقت.
وقت أطول من اللازم.
قربت من الحمّام، وأنا حاسة بالقبضة اللي بتيجي في الصدر قبل ما العقل يفهم السبب.
لقيته واقف في الطرقة.
وشّه أبيض… وإيده بتترعش بوضوح.
حزام العِدّة مائل،
قلتله:
“في إيه؟”
ما ردّش.
بس قرّب مني، ووطّى صوته قوي:
“لمي حاجتك… وامشي. دلوقتي. وما تقوليليش لعيالك.”
قلبي خبط لدرجة حسّيت بدوخة.
“إيه؟ ليه؟”
ما شرحش.
بس بص من فوق كتفي…
نحية آخر الطرقة…
نحية باب البدروم.
فضلت واقفة ثانية كأني متسمّرة في الأرض.
نظراته كانت كفاية تقول إن اللي شافه مش مجرد ماسورة مكسورة ولا مشكلة سباكة عادية.
ده خوف.
خوف خام، صريح، من النوع اللي بيطلع من العين قبل اللسان.
قلتله وأنا بحاول أثبّت صوتي:
“يعني إيه أمشي؟ فيه إيه تحت؟”
بلع ريقه.
وبص تاني ناحية باب البدروم، كأنه مستني حاجة تطلع.
قرب خطوة، صوته بقى أضعف:
“ما ينفعش أقول. بس صدقيني… البيت ده مش آمن.”
الكلمة الأخيرة فضلت ترنّ في وداني.
مش آمن.
ما سألتش أكتر.
مش شجاعة… بالعكس.
الخوف ساعات بيخلّي الواحد يطيع من غير ما يفهم.
دخلت أوضة النوم، لمّيت شنطة صغيرة: فلوس، موبايل، مفاتيح.
إيدي كانت بتترعش، بس دماغي كان غريب… فاضي.
كأني بحلم.
وأنا بقفل باب الشقة ورايا، بصّيت لآخر مرة على الممر.
باب البدروم كان مقفول.
قديم.
خشب غامق، ومقبضه متآكل.
ولا عمره شدّ انتباهي قبل كده.
قفلت الباب ونزلت السلم جري
قعدت في العربية شوية قبل ما أتحرك.
قلبي كان
الموبايل رن.
المدرسة.
ردّيت وأنا بحاول أبان طبيعية:
“أيوه؟”
“حضرتك… الأولاد خلصوا بدري النهارده.”
حسّيت الأرض بتسحب من تحت رجلي.
ما ينفعش أسيبهم.
وما ينفعش أرجع البيت.
قلت بسرعة:
“أنا جاية حالًا.”
خدتهم وروّحتهم عند أختي.
ما شرحتش.
قلت بس إن فيه شغل في البيت ومحتاجين يقعدوا معاها يومين.
هي ما ضغطتش، بس بصّتلي البصّة اللي الأخت بتشوف بيها الخوف من غير ما يتقال.
ليلها ما نمتش.
فضلت أبص في السقف، وكل ما أقفل عيني، أشوف وش السباك.
اللون اللي ساب وشه.
والكلمة: ما ينفعش أقول.
تاني يوم الصبح، جالي مسج من رقم غريب:
“إنتِ مشيتي صح. ما ترجعيش لوحدك.”
قلبي وقع.
ردّيت فورًا:
“مين؟ وإنت عرفت رقمي إزاي؟”
مفيش رد.
اتصلت بالسباك.
الموبايل مقفول.
ساعتها بس الفكرة المرعبة اللي كنت بهرب منها مسكت في دماغي:
هو شاف إيه؟
وليه حد تاني عارف إني مشيت؟
قررت أرجع.
مش لوحدي.
جبت أخويا، وقلتله نص الحقيقة.
قلتله السباك خاف من حاجة في البدروم.
هو ضحك ضحكة خفيفة، وقال:
“يمكن فئران ولا حاجة.”
بس لما وصلنا قدام باب الشقة، الضحك اختفى.
الباب كان موارب.
وأنا متأكدة…
إني قفلته.
دخلنا بحذر.
البيت كان هادي.
هادئ زيادة عن اللزوم.
مشينا ناحية البدروم.
أخويا مدّ إيده على المقبض.
وقف.
قال:
“حاسّة بريحة؟”
كنت حاسّة… بس دماغي رافض يسمّيها.
فتح الباب.
السلم كان نازل لتحت، ضلمة تقيلة، والريحة أوضح.
مش رطوبة.
ولا مجاري.
ريحة حاجة… قديمة.
مقفولة.
ومنسية.
نزلنا درجة درجة.
النور كان ضعيف.
وفي آخر السلم… شوفناه.
صندوق خشب كبير.
مقفول بمسامير صدية.
وعليه حفر خفيف…
كأن حد حاول يفتحه وبطّل.
أخويا قرب.
وأنا صرخت:
“لا!”
بس كان فات الأوان.
شال لوح خشب صغير كان سايب.
اللي شوفناه جوّه…
خلّى رجلي تخونّي.
مش جثة كاملة.
ولا هيكل.
بس…
حاجات.
هدوم أطفال.
أحذية صغيرة.
وشنطة مدرسة… عليها اسم مش اسم ولادي.
سكتنا.
الصمت كان تقيل لدرجة خانقة.
أخويا همس:
“ده مش جديد.”
ساعتها فهمت.
البيت ده…
مش بس مش آمن.
البيت ده…
كان شاهد.
طلعنا وقفلنا كل حاجة.
بلغنا الشرطة.
قعدنا نستنى.
بعدها بساعات، البيت اتملى ناس.
تحقيقات.
أسئلة.
نظرات شك.
السباك ما لقوهوش.
ولا صاحب الرقم الغريب.
بس قبل ما نمشي، واحد من الظباط قرب مني وقال بهدوء:
“إنتِ سكنتي هنا إمتى؟”
قلت التاريخ.
هزّ راسه وقال:
“البيت ده كان مقفول سنين…
وصاحبه القديم اختفى.”
بصلي في عيني مباشرة:
“واضح إنه ما كانش لوحده.”
ما رجعتش البيت تاني.
بعتناه.
غيرنا
ابتدينا من جديد.
بس لحد النهارده…
وأنا بجدّد أي حاجة،
وأسمع صوت العِدّة يقف فجأة…
قلبي بيقف معاه.
لأني عرفت إن في بيوت…
بتخبّي أسرار
أحسن لها تفضل مدفونة.